قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة محمد عيد تكتب: لماذا يشوّه البعض صورة الآخرين؟

د. هبة محمد عيد
د. هبة محمد عيد

ليست كل الكلمات التي تُقال عن الناس تعكس حقيقتهم، بل كثيرًا ما تعكس حقيقة من ينطق بها. فهناك أشخاص لا يكتفون برؤية الآخرين كما هم، بل يعيدون رسم صورهم بما يخدم مشاعرهم أو مصالحهم أو صراعاتهم الداخلية، فينسبون إليهم ما ليس فيهم، ويصنعون روايات لا تستند إلى حقيقة، ثم يتركونها تتداول بين الناس وكأنها حقائق لا تقبل الشك.

ولعل السؤال الذي يستحق التأمل ليس: لماذا يُساء إلى الناس؟ بل: ما الذي يدفع إنسانًا إلى تشويه صورة غيره؟

في علم النفس، لا يصدر هذا السلوك عادةً عن إنسان يعيش سلامًا مع نفسه. فالإنسان الواثق من قيمته لا يحتاج إلى الانتقاص من غيره ليشعر أنه أكبر، ولا يجد في تشويه سمعة الآخرين وسيلة لإثبات ذاته. أما من يعاني اضطرابًا في تقدير نفسه، أو يعيش صراعًا داخليًا، فقد يلجأ إلى إسقاط مشاعره على الآخرين، فيتهمهم بما ليس فيهم، أو يقلل من شأنهم، أو يختلق حولهم القصص، معتقدًا أن ذلك سيمنحه مكانة أو نفوذًا أو تعاطفًا.

لكن الحقيقة أن الإنسان لا يكبر حين يصغّر غيره، ولا يرتفع حين يهدم صورة الآخرين. فالمكانة الحقيقية تُبنى بما نملكه من أخلاق وإنجاز، لا بما نُلصقه بالناس من اتهامات.

وقد يكون الدافع إلى هذا السلوك غيرة، أو منافسة، أو رغبة في لفت الانتباه، أو محاولة للهروب من مواجهة عيوب الذات. إلا أن النتيجة تبقى واحدة؛ إذ تتحول الكلمة إلى أداة للإيذاء، ويصبح الافتراء وسيلة لتصفية الحسابات، ويُستبدل الحوار بالشائعات، والحقائق بالأوهام.

والمؤلم أن تشويه السمعة لا يتوقف أثره عند الشخص المستهدف، بل يمتد إلى المجتمع كله. فعندما يعتاد الناس تداول الاتهامات دون تثبت، وإطلاق الأحكام دون دليل، تضعف الثقة بين الأفراد، ويعيش الجميع في قلق من أن يصبحوا يومًا ضحية لرواية مختلقة أو كلمة قيلت في غيابهم.

ولأن الكذب غالبًا ما يكون أكثر إثارة من الحقيقة، فإنه ينتشر بسرعة، وقد يصدقه البعض دون أن يسألوا عن مصدره أو دليله. وهنا تصبح السمعة رهينة لكلمة، وقد يخسر إنسان احترامًا أو فرصة أو علاقة، لا لذنب اقترفه، بل لأن أحدهم قرر أن يروي قصة لم تحدث.

وما يغفل عنه من يمارس هذا السلوك أن كل كلمة يوجهها إلى الآخرين تترك أثرًا فيه قبل أن تترك أثرًا فيهم. فالناس قد يختلفون في تصديق الروايات، لكنهم يتفقون مع مرور الوقت على أن اللسان الذي اعتاد الافتراء لا يؤتمن على الحقيقة، وأن من يسيء إلى الجميع لن يبقى موضع ثقة، مهما بدا مقنعًا في البداية.

ولذلك فإن نضج الإنسان لا يظهر في قدرته على الحديث عن الناس، بل في قدرته على العدل والإنصاف. أن يتحرى الحقيقة قبل أن ينقلها، وأن يحفظ كرامة الآخرين كما يحب أن تُحفظ كرامته، وأن يدرك أن الكلمة ليست مجرد صوت عابر، بل مسؤولية أخلاقية قد تبني إنسانًا أو تهدمه.