كانت شبرا، في ذلك الوقت، عالمًا صغيرًا مكتملًا، كأنها بلد داخل بلد، يعرف فيه الناس تفاصيل حياة بعضهم أكثر مما يعرفون عناوينهم. أبواب الشقق تظل مواربة معظم النهار، وينتقل الأطفال بين البيوت كما ينتقلون بين غرف البيت الواحد، بينما تتبادل الجارات العيش والملح وأخبار الأقارب من غير موعد ولا استئذان.
في حارتنا، لم تكن الحياة تخص أحدًا وحده. فكانت تمضي على مرأى من الجميع؛ فيعرف الناس بخبر الخطبة قبل أصحابها، وتسبق نتيجة الامتحان صاحبها إلى البيت.
وكانت أم عماد من أولئك الجيران الذين لا يحتاجون إلى موعد لزيارة، ولا إلى استئذان ليصبحوا جزءًا من حياة البيت... غابت ملامح وجهها عن ذاكرتي مع السنين، لكن صوتها بقي واضحًا، وبقيت معه الجملة التي اعتادت أن ترددها كلما جلست مع أمي.
تأتي في زيارة عادية، تشرب الشاي، وتتحدث عن البيت والأسعار وأخبار الجيران، ثم تلتفت نحوي، أو تشير إليّ وهي تكمل حديثها، وتقول:
“البت دي وحشة أوي... دي هتقعد جنبك، والباقيين هيتجوزوا قبلها.”
تبتسم أمي ابتسامة صغيرة، كأنها تسمع تعليقًا عابرًا، وينتقل الحديث إلى شيء آخر، وتنتهي الزيارة.
وقتَها، ما فهمت معناها. كنت أصغر من أن أدرك لماذا يُقال مثل هذا الكلام، لكن الكلمات استقرت في مكان خفي داخلي.
وقفت يومًا أمام المرآة أتأمل وجهي طويلًا. كنت أعرف أن إخوتي يشبهون أمي أكثر، وأنني أشبه أبي، ولم يرَ أحد في البيت في ذلك ما يستحق الالتفات. لكن كلام أم عماد ربط، في خيال طفلة، بين لون بشرتي ومستقبل غامض.
لم تكتفِ بقولها مرة واحدة، بل كررتها في كل زيارة تقريبًا، حتى صرت أحفظها قبل أن تنطق بها. وكلما رأيتها تدخل البيت، عرفت أي جملة ستأتي بعد قليل.
أخفيت عن أمي ما كان يدور بداخلي. كانت تسمع الكلام نفسه كما يسمعه الكبار؛ كلمات عابرة تنتهي بانتهاء المجلس. أما أنا، فكنت أستقبله كما يستقبل الأطفال الكلمات؛ يصدقونها قبل أن يفهموها.
وقتها كان الذهاب إلى المدرسة هو الجزء الأكثر هدوءًا في يومي... هناك، لم يكن أحد يعرف شيئًا عن تلك الجملة، ولم يسأل أحد من يشبه أمه ومن يشبه أباه.
أحببت الدراسة لأنها كانت المكان الوحيد الذي تبدو فيه الأشياء عادلة؛ السؤال له إجابة، والإجابة لها درجة، ولا أحد يحكم على لون البشرة.
في أحد الأيام، دخل مصور إلى المدرسة وطلب من بعض التلاميذ الوقوف لالتقاط صور. لم أفكر في الأمر كثيرًا، وعدت إلى البيت كما أعود كل يوم. وبعد فترة، دخلت إحدى المدرسات الفصل وهي تحمل نسخة من سلاح التلميذ، رفعتها أمام التلاميذ ثم نظرت إليّ وقالت:
“دي صورتك... مش كده؟”
أخذت الكتاب منها، وظللت أحدق في الغلاف طويلًا.
كانت صورتي.
كل ما خطر ببالي أنني أعرف هذه البنت جيدًا...لكنها لم تكن تشبه تلك التي كانت تصدق كلام أم عماد.ولأول مرة، بدت الصورة أصدق من الكلام.
أخذت النسخة إلى البيت وأعطيتها لأمي. ابتسمت وهي تقلب صفحاتها، ثم وضعتها فوق الدولاب مع الأشياء التي كانت تخشى عليها من أيدي الأطفال.
لا أعرف إن كانت أم عماد قد رأت الغلاف بعد ذلك أم لا، ولا أذكر أنني كنت أنتظر رأيها.
كبرت، وصرت أفهم معنى الزواج، وأفهم أيضًا أن الناس يربطون بين لون البشرة والجمال، وبين الجمال والحظ. حاولت كثيرًا أن أقنع نفسي بأن لون بشرتي مجرد ملامح ورثتها عن أبي، وفي تلك الأيام بدأت كلماتها تتراجع من داخلي، من غير أن أشعر أنني انتصرت عليها أو أنها هُزمت.
استمرت الدراسة، ونجحت في كل مرحلة حتى دخلت الجامعة. وصارت الدراسة جزءًا طبيعيًا من حياتي .
وفي البيت بدأت الأحاديث تتغير.لم تعد الزيارات تنتهي بالكلام عن الأسعار والجيران فقط، بل صار الحديث عن العرسان حاضرًا أيضًا.
بعد فترة، جاءت أم عماد إلى بيتنا كعادتها، لكنها هذه المرة لم تأتِ للزيارة أو لشرب الشاي، كان معها طلب.
قالت إن علاء، ابنها الأصغر، رسب في اللغة الإنجليزية، وأصبح عليه امتحان دور ثانٍ. ثم التفتت إليّ وقالت:
“هو مش محتاج غير شهر... ذاكري له، وأنا هديكي جنيه كل يوم.”
وافقت.. لم أكن أعرف أن ذلك الشهر سيترك في ذاكرتي أثرًا مختلفًا عن كل ما سبقه.
بدأ علاء يأتي كل يوم تقريبًا. نجلس إلى المائدة، نفتح كتاب اللغة الإنجليزية، ونبدأ المذاكرة. لم يكن تلميذًا ضعيفًا، لكنه كان سريع الملل. أشرح الدرس، وأطلب منه أن يعيده، ثم ننتقل إلى الذي يليه. ومن حين إلى آخر، كانت أمه تطل من باب الغرفة وتسأل:
“خلصتوا كام درس؟”
ثم تعود إلى المطبخ.وفي نهاية كل حصة، تضع الجنيه في يدي، ببساطة شديدة، كأنها تنهي اتفاقًا صغيرًا بيننا.
مر الشهر هادئًا.لم نتحدث فيه عن الماضي، ولا عن الجملة التي كانت ترددها لأمي. كان حديثنا كله يدور حول الكلمات الإنجليزية، والامتحان، وعدد الأيام الباقية.
ودخل علاء الامتحان.ثم ظهرت النتيجة...ونجح.
فرحت أم عماد كما تفرح أي أم بنجاح ابنها، وجاءت تزف الخبر إلى أمي.أما أنا، فكان يشغلني شيء آخر.
للمرة الأولى في حياتي، أمسكت بمال كسبته بجهدي.
ثلاثون جنيهًا...ثمن ثلاثين يومًا من العمل.
احتفظت بها أيامًا، ثم ذهبت واشتريت أول خاتم ذهب أملكه.
لم يكن كبيرًا، ولا ثقيلًا، لكنه كان أول شيء اشتريته بمالي.
وما زلت أذكره أكثر مما أذكر أشياء أغلى جاءت بعده.
ولم يخطر ببالي وقتها أن أول مال أكسبه في حياتي جاء بسبب ام عماد نفسها والتي أقنعت طفلة، يومًا، بأنها أقل حظًا من أخواتها والمفارقه الكبرى أنها قد وعدت علاء، قبل الامتحان، بأنها ستشتري له دراجة إذا نجح.
وبعد إعلان النتيجة، كنا نجلس جميعًا في بيتهم.
قالت له وهي تضحك:"ها... اختار بقى العجلة اللي نفسك فيها."نظر إليّ، ثم قال ضاحكًا:
“أنا مش عايز عجلة... اخطبي لي وفاء، وأنا مش هسقط تاني.”
انفجر الجميع في الضحك.أما أنا، فلم أعرف أين أنظر.
خفضت رأسي، وأنا أبتسم في ارتباك، كما تفعل أي فتاة في ذلك العمر.وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها أن أحدًا يراني بعيدًا عن كل ما ظننته يومًا نقصًا.
مضت السنوات بعد ذلك، وتزوجت، وتفرقت الطرق كما يحدث دائمًا.ولم يبق من صوت أم عماد إلا تلك الجملة.
لكنها لم تعد تؤلمني كما كانت. وكلما تذكرتها لا أتذكر سوى طفلة وقفت يومًا أمام المرآة تبحث في وجهها عن عيب لم يكن موجودًا أصلًا.