قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. شيماء الناصر تكتب: النفايات الإليكترونية خطر يتسلل من أيدينا للبيئة

شيماء الناصر
شيماء الناصر

كلاً منا لديه في درج منزله هاتف محمول أو جهاز حاسوب أو حتى جهاز كهربائي لا يعمل أو مهمل لقدم عمره وعليه أن يتخلص منه لأنه يعتبر نفايات بالنسبة له ولكن هل سألنا أنفسنا يوماً عن الطريقة الصحيحة للتخلص من هذه الأجهزة أم أننا ننهي فوضى وزحام هذه الأجهزة لدينا بمكب النفايات دون أن نسأل أو يشغلنا أين ينتهي المطاف بهذه الأجهزة؟
قد لا يهتم الأغلبية بإجابة هذا السؤال في الوقت الذي تتراكم فيه ملايين الأطنان من الأجهزة القديمة بصمت لتتحول إلى ما يعرف بالنفايات الإلكترونية والتي أصبحت الأسرع نموًا بين جميع أنواع النفايات في العالم.

هذه الأجهزة التي خدمتنا لسنوات طويلة وتعبر عن مدى التطور التكنولوجي الذى وصلنا إليه هي في نفس الوقت تمثل الخطر الصامت الأكبر تأثيراً على البيئة حين يتم التخلص منها بحاويات النفايات أو حين يعاد تدويرها بطرق غير سليمة  بيئياً  من خلال ممارسات رديئة أو تخزن بطرق غير آمنه في مخازن ومستودعات يتبعها العاملين غير المختصين بمثل هذه المسائل في القطاع غير الرسمي , مطلقه العديد من المواد السامة قد تصل لأكثر من 1000 مادة كيمائية  مختلفة وفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية مثل الكاديوم والزئبق والرصاص الذي يعتبر الأكثر شيوعاً بين هذه المواد والذي يسبب أضراراً بالغه بالجهاز العصبي للإنسان ويزيد من الاضطرابات الهرمونية ومشاكل في النمو والجهاز التنفسي مما يؤثر بشكل مباشر على صحه الأطفال والنساء خاصة الحوامل منهن باعتبارهن الفئة الأكثر عرضه للخطر  لاسيما في بعض البلدان الفقيرة المضطرين للعمل بهذا القطاع نتيجة لأحوالهم الاقتصادية المتدنية
والأرقام في التعامل هذا الملف صادمة فوفقاً لتقديرات وتوثيق منظمة الصحة العالمية لعام 2019 أن العالم أنتج ما يفوق ال 53.6 مليون طن من النفايات الإلكترونية وما يثير القلق أكثر هو معرفه أن 22.3% فقط من هذه الكميات أُعيد تدويرها بطريقة آمنة، بينما اختفى الباقي بين المدافن، وعمليات الحرق، والتفكيك العشوائي، أو بقي مخزنًا داخل المنازل والمستودعات دون أي معالجة.

مطلقه في البيئة مواد شديدة السمية وهي عناصر قادرة على تلويث التربة والمياه والهواء لعقود طويلة إذا لم يتم التخلص منها بطرق سليمة فعندما تُحرق هذه الأجهزة أو تُفكك بطرق بدائية، تنطلق منها غازات سامة وجزيئات دقيقة تستقر في الهواء الذي نتنفسه،وعند الدفن وسط المخلفات العادية قد تتسرب بعض هذه المواد إلى المياه الجوفية التي نعتمد عليها، لتبدأ رحلة طويلة من التلوث قد تنتهي داخل أجسادنا.

ولا تبدو المؤشرات المستقبلية مطمئنة؛ إذ يتوقع الخبراء أن يرتفع حجم النفايات الإلكترونية إلى 82 مليون طن بحلول عام 2030، في ظل الزيادة المستمرة في استهلاك الأجهزة الإلكترونية وتسارع وتيرة التطور التكنولوجي.

ورغم خطورتها، فإن النفايات الإلكترونية تخفي وجهًا آخر لا يقل أهمية
فداخل كل هاتف قديم أو لوحة إلكترونية توجد معادن ثمينة مثل الذهب، والفضة، والنحاس، والبلاديوم، والكوبالت، وهي عناصر تدخل في صناعة التقنيات الحديثة وتُقدر قيمتها بمليارات الدولارات سنويًا.

ولو أُعيد تدوير هذه الأجهزة بصورة سليمة ومدروسة، لأمكن تقليل الاعتماد على التعدين، وخفض استهلاك الطاقة، وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتحويل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي يحقق مفهوم الاقتصاد الدائري.

والسؤال هنا أين نقف نحن في ملف أعادة تدوير النفايات الإلكترونية؟
تقف مصر للأسف موقف العديد من الدول النامية التي مازالت النفايات الإلكترونية تُجمع فيها مع القمامة المنزلية، أو تُحرق في أماكن مفتوحة، أو تُفكك يدويًا لاستخراج المعادن، وهي ممارسات تعرض العاملين والسكان المحيطين لمخاطر صحية جسيمة، كما تؤدي إلى تلوث طويل الأمد يصعب علاجه.

رغم جهود وزارة البيئة المصرية في تدارك هذا الملف ومحاولة وضع ضوابط آمنه لإعادة التدوير ومحاولة تتبع مسارات النفايات الإليكترونية لضمان عدم تسريبها للقطاع غير الرسمي للحد من الممارسات العشوائية ,مع العمل على إشراك القطاعيين العام والخاص المتعمدين في التعامل مع مثل هذه الأنواع من المخلفات يبقى الحديث عن ضرورة تفعيل القانون رقم 202 لسنه 2020 بشان تنظيم إدارة المخلفات المختلفة وتكمن أهمية هذا القانون في أنه أنشأ جهاز تنظيم إدارة المخلفات ومنحه صلاحيات وضع الاستراتيجية الوطنية لإدارة المخلفات ، وإصدار التراخيص، والرقابة على الجهات العاملة في هذا القطاع، مع تشجيع الاستثمار في إعادة التدوير وتحويل المخلفات إلى مورد اقتصادي بدلاً من كونها عبئًا على الدولة, كما يهدف إلى تقليل التلوث، وتحسين الصحة العامة، والحد من الانبعاثات الناتجة عن الحرق أو التخلص العشوائي من النفايات.  

ورغم أهميته، فإن نجاح القانون يعتمد على حسن تطبيقه ومدى جديه هذا التطبيق لضمان أكبر قدر من الفاعلية وفق الضوابط البيئية المعتمدة ومحاوله تذليل التحديات التي تواجه أو تعرقل تطبيقه مثل ارتفاع تكلفة إنشاء البنية التحتية اللازمة، والحاجة إلى رفع وعي المواطنين بعمليات الفرز من المنبع، إضافة إلى ضرورة تشديد الرقابة لمنع التخلص غير القانوني من المخلفات.
ويمثل هذا القانون رقم 202 لسنة 2020 نقلة تشريعية مهمة في مجال حماية البيئة في مصر إذا تطبق بفعالية، إلا أن تحقيق أهدافه يتطلب تعاون الدولة والقطاع الخاص والمواطنين، خاصة مع تزايد حجم المخلفات الإلكترونية

وكما يمكنا الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في إنشاء أنظمة متكاملة لجمع الأجهزة القديمة وإعادة تدويرها، وفرضت مسؤولية قانونية على الشركات المصنعة لاستعادة منتجاتها بعد انتهاء عمرها الافتراضي، وهو ما ساهم في تقليل كميات النفايات وتعظيم الاستفادة من مواردها.

ورغم أن المشكلة قد تبدو عالمية، لكنها يمكن أن تبدأ من قرار فردي بسيط.
أن نصلح الجهاز قبل استبداله، وأن نتبرع بما لا يزال صالحًا للاستخدام، وأن نسلم الأجهزة التالفة إلى جهات متخصصة في إعادة التدوير، وأن نتوقف عن إلقاء البطاريات والهواتف مع النفايات المنزلية… جميعها خطوات صغيرة، لكنها تحدث فرقًا كبيرًا عندما تتحول إلى ثقافة مجتمعية.
فالنفايات الإلكترونية ليست مجرد أجهزة انتهت صلاحيتها، بل هي اختبار حقيقي لوعينا البيئي، وقدرتنا على الموازنة بين التقدم التكنولوجي والحفاظ على كوكب لم يعد يحتمل  
المزيد من التلوث.

لأن الطريقة التي نتعامل بها مع أجهزتنا اليوم بعد انتهاء عمرها قد تحدد شكل البيئة التي سيعيش فيها أبناؤنا غدًا.