لا أنكر أهمية التكنولوجيا الكبرى في حياتنا، لكن لم يعد وجع القلب مرتبطًا فقط بالفقد أو الخيانة أو الخوف من المستقبل.. هناك نوع جديد ظهر بهدوء داخل هذا العصر، لا يسمعه الأطباء بالسماعات، ولا يظهر كاملًا في التحاليل، لكنه ينهش البشر يوميًا دون ضجيج.. إنه "وجع القلب الإلكتروني".
نستيقظ على الهاتف قبل أن ننظر إلى وجوه من حولنا.. ننام بعد آخر إشعار، ونقضي يومنا بين رسائل عاجلة، ومقاطع قصيرة، وأخبار متلاحقة، وصور مثالية لحيوات لا نعيشها.. أصبح العقل يعمل كخادم إنترنت مفتوح طوال الوقت، بينما القلب يحاول عبثًا أن يحصل على لحظة هدوء واحدة.
التكنولوجيا لم تدخل حياتنا فقط، بل أعادت تشكيل مشاعرنا أيضًا.. فبجانب الإيجابيات الكبرى لها، لازم ناخذ بالنا بأنه صار القلق أسرع، والحزن أسرع، والمقارنات أكثر قسوة.. لم يعد الإنسان يقارن نفسه بجيرانه أو زملائه، بل بملايين الغرباء على الشاشات.. كل شخص يرى النسخة اللامعة من حياة الآخرين، ثم يعود ليتأمل واقعه العادي وكأنه فشل شخصي.
حتى العلاقات الإنسانية تغيّرت.. كثيرًا من الرسائل السريعة قتلت دفء الانتظار، والإعجابات اختزلت الاهتمام، وكثيرًا من المكالمات الطويلة تحولت إلى رموز تعبيرية باردة.. أصبح كثيرون يمتلكون مئات المتابعين، لكنهم لا يجدون شخصًا واحدًا يتحدثون معه بصدق عند الاحتياج الحقيقي.
الأطفال كذلك دخلوا مبكرًا إلى هذا العالم.. بعضهم يعرف طريقة استخدام التطبيقات قبل أن يتعلم التعبير عن مشاعره.. الشاشات أصبحت مربية إضافية داخل البيوت، لكنها في أحيان كثيرة تسحب الانتباه، والخيال، والقدرة على التواصل الحقيقي.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في تحوّلها في كثير من الأحيان من أداة تخدم الإنسان إلى مساحة يختبئ داخلها الإنسان من نفسه.. فكلما زادت سرعة العالم، قلّ تأمل البشر لحياتهم..
وربما أخطر ما في "وجع القلب الإلكتروني" أنه لا يأتي دفعة واحدة، بل بالتقسيط.. دقائق طويلة تضيع أمام الشاشة، ومشاعر تُستهلك في المقارنة، وأعصاب تستنزفها التنبيهات، وأرواح تتآكل ببطء تحت ضوء أزرق بارد لا ينام..
خلاصة القول.. خالوا بالكم.