مع التوسع الكبير في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل “ChatGPT” و “Claude” وغيرها من النماذج الذكية، تصاعدت مخاوف كثير من المستخدمين بشأن خصوصية البيانات وإمكانية تسريب المحادثات أو استغلال المعلومات الشخصية. وتزايدت هذه التساؤلات بشكل خاص مع انتشار إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي تعرض اشتراكات مدفوعة في هذه الخدمات بأسعار منخفضة للغاية، الأمر الذي أثار علامات استفهام حول مصدر تلك الحسابات ومدى أمان استخدامها.
وفي هذا السياق، أوضح عمر بكري، خبير الأمن السيبراني، أن هناك فارقًا كبيرًا بين آلية تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وبين عمليات تسريب البيانات التي قد تنتج عن أخطاء تقنية أو ممارسات غير آمنة من جانب المستخدمين، مؤكدًا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما في الطرق الخاطئة التي يلجأ إليها البعض للحصول على هذه الخدمات.
الحسابات المخفضة.. الخطر الحقيقي يبدأ من هنا
وأشار بكري إلى أن أكثر ما يثير القلق في الوقت الحالي هو انتشار إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة "فيسبوك"، تعرض حسابات مدفوعة لخدمات الذكاء الاصطناعي بأسعار تقل كثيرًا عن قيمتها الأصلية، سواء بنصف السعر أو حتى بربع قيمته.
وأوضح أن هذه الحسابات في كثير من الأحيان لا تكون مملوكة لمستخدم واحد، وإنما يتم تقاسمها بين عشرات أو ربما مئات الأشخاص في الوقت نفسه، وهو ما يجعل استخدامها يحمل قدرًا من المخاطرة، خاصة إذا كانت تتضمن مشاريع عمل أو محادثات تحتوي على معلومات حساسة.
وأضاف أن المستخدم الذي يحصل على مثل هذا الحساب يعتقد في الغالب أنه يمتلك حسابًا شخصيًا بالكامل، بينما الواقع قد يكون مختلفًا، إذ يكون مجرد مستخدم ضمن مجموعة كبيرة تشترك في نفس الحساب، حتى وإن لم تظهر له محادثات الآخرين بصورة مباشرة.
وأكد أن هذا النوع من الحسابات هو الأكثر عرضة لمشكلات الخصوصية، وليس منصة الذكاء الاصطناعي نفسها.

كيف تتطور نماذج الذكاء الاصطناعي؟
وتحدث خبير الأمن السيبراني عن الطريقة التي تتطور بها نماذج الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن هذه الأنظمة أصبحت أكثر كفاءة مع مرور الوقت مقارنة بالإصدارات الأولى التي ظهرت قبل سنوات.
وقال إن المستخدم عندما يتفاعل مع النموذج، سواء من خلال طرح الأسئلة أو تنفيذ المهام المختلفة، فإنه يساهم بصورة غير مباشرة في تحسين أداء النظام وتطوير قدراته، وهو ما يفسر الفارق الكبير بين مستوى الأداء الحالي وما كانت تقدمه هذه النماذج عند إطلاقها لأول مرة.
وأضاف أن التطور لم يقتصر على سرعة الاستجابة فقط، بل امتد إلى جودة الإجابات، وقدرة النماذج على فهم التعليمات المعقدة، وتنفيذ المهام المتخصصة في مجالات متعددة مثل الإعلام، والتصميم الجرافيكي، والبرمجة، والصحافة، وصناعة المحتوى.
التعلم من المستخدمين وليس من الإنترنت فقط
وأوضح بكري أن أحد أهم أسباب الطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي يتمثل في اعتماده على التفاعل المستمر مع المستخدمين، وليس فقط على المعلومات المنشورة عبر الإنترنت.
وأشار إلى أن ملايين المستخدمين حول العالم يطرحون أسئلة ويقدمون تعليمات مختلفة كل دقيقة، وهو ما يسهم في تحسين أداء هذه النماذج مع مرور الوقت، لتصبح أكثر قدرة على فهم احتياجات المستخدمين والاستجابة لها بدقة أكبر.
وضرب مثالًا بمجال التصميم، موضحًا أن النماذج الذكية لم تكن في البداية قادرة على إنتاج أعمال احترافية بالمستوى الحالي، لكن مع كثرة الطلبات والتعديلات التي أجراها المستخدمون، أصبحت قادرة على تنفيذ تصميمات أكثر احترافية، سواء في الرسوم الكاريكاتيرية أو الأعمال الفنية أو التصميمات الإبداعية الأخرى.
وأضاف أن هذا التطور جاء نتيجة التفاعل المستمر مع المستخدمين الذين يقدمون تعليمات دقيقة، مثل تعديل الألوان أو تغيير الزوايا أو تحسين التفاصيل، حتى أصبحت النماذج أكثر احترافية في تنفيذ مثل هذه الطلبات.
ماذا تقول سياسات شركات الذكاء الاصطناعي؟
وأشار بكري إلى أن معظم الشركات المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي توضح في سياسات الاستخدام الخاصة بها أن بيانات التفاعل قد تُستخدم لتحسين الخدمات وتطوير أداء النماذج، مع وجود ضوابط وإعدادات تختلف من خدمة إلى أخرى.
وأوضح أن هذه السياسات يتم عرضها للمستخدم عند إنشاء الحساب أو استخدام الخدمة، ويوافق عليها المستخدم قبل الاستمرار، وهو ما يجعل الشركات تعلن بصورة واضحة أن التفاعل مع النظام قد يساهم في تطويره وتحسينه.
وأضاف أن هذا الإجراء يأتي أيضًا لحماية الشركات قانونيًا، من خلال توضيح كيفية استخدام البيانات وفقًا لشروط الاستخدام وسياسات الخصوصية المعلنة.

هل تسريب البيانات سببه الذكاء الاصطناعي؟
وفيما يتعلق بحوادث تسريب البيانات، أكد خبير الأمن السيبراني أن عمليات الاختراق التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية لم تقتصر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل طالت مؤسسات كبرى وشركات وحكومات حول العالم.
وأوضح أن تسريب البيانات يحدث عادة نتيجة ثغرات تقنية أو أخطاء في الأنظمة يتمكن القراصنة من استغلالها للوصول إلى المعلومات، وليس لأن الشركات المطورة تتعمد بيع بيانات عملائها أو نشرها.
وأضاف أن مجموعات القرصنة الإلكترونية تستهدف مثل هذه الثغرات بهدف سرقة قواعد البيانات، ثم تعرضها للبيع في أسواق غير قانونية على الإنترنت، خاصة عبر ما يعرف بالـ"دارك ويب"، حيث يتم تداول كميات ضخمة من البيانات المسروقة.
وأكد أن مثل هذه الحوادث ترتبط بالهجمات السيبرانية أكثر من ارتباطها بطريقة عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي نفسها.
هل يجب أن يقلق المستخدم؟
واختتم بكري تصريحاته بالتأكيد على أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في حد ذاته لا يدعو إلى القلق، طالما التزم المستخدم بالإجراءات الصحيحة، وعلى رأسها استخدام حساب شخصي وعدم مشاركة بياناته مع الآخرين أو اللجوء إلى الحسابات المشتركة مجهولة المصدر.
وأضاف أن احتمالات تسريب المحادثات تبقى مرتبطة بحدوث خلل تقني أو استغلال ثغرة أمنية، وهي أمور قد تواجه أي نظام رقمي، وليست مرتبطة بتعمد الشركات المطورة الكشف عن بيانات المستخدمين.
وأشار إلى أن المستخدم قد يلاحظ مع مرور الوقت أن النموذج يتفاعل معه بأسلوب قريب من طريقته في الكتابة أو طرح الأسئلة، وهو ما يرجع إلى قدرة النظام على فهم نمط التفاعل داخل المحادثة وتقديم استجابات أكثر ملاءمة للسياق، وليس بالضرورة لأنه "يتجسس" على المستخدم.
ومع استمرار الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات العمل والحياة اليومية، تبقى حماية الخصوصية مسؤولية مشتركة بين الشركات المطورة والمستخدمين. فاختيار الحسابات الرسمية، وقراءة سياسات الخصوصية، وتجنب مشاركة المعلومات الحساسة أو استخدام الحسابات المشتركة مجهولة المصدر، تعد خطوات أساسية للحفاظ على أمن البيانات. وفي المقابل، يؤكد خبراء الأمن السيبراني أن معظم المخاطر التي يتم تداولها لا ترتبط بآلية عمل الذكاء الاصطناعي نفسها، وإنما بسوء الاستخدام أو بالهجمات الإلكترونية التي قد تستهدف أي خدمة رقمية إذا وُجدت ثغرات يمكن استغلالها.

