دخلت العلاقات المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والمالي، بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جينبينج إلى مصر يومي 1 و2 سبتمبر 2026، والتي تزامنت مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وكان من أبرز مخرجات الزيارة الترحيب بتجديد اتفاقية تبادل العملات بين مصر والصين وزيادة قيمتها، في خطوة تعكس رغبة القاهرة وبكين في توسيع أدوات التعاون المالي، ودعم حركة التجارة والاستثمار بين البلدين.
وجاء ذلك ضمن البيان المشترك الصادر عقب مباحثات الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس الصيني، والذي أكد أهمية تعزيز التعاون المالي وتشجيع المؤسسات المالية في البلدين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي.
التعامل بالعملات المحلية يخفف الضغط على الدولار
يرى الدكتور هاني الشامي، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة المستقبل، أن تجديد اتفاقية تبادل العملات وزيادة قيمتها يمثلان تطورًا مهمًا في العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين، خاصة مع اتساع حجم المصالح التجارية والاستثمارية بين البلدين.
وأوضح الشامي أن استخدام العملات المحلية في جانب من المعاملات التجارية يمكن أن يساعد مصر على تقليل الضغط على الدولار عند تسوية جزء من قيمة الواردات والتجارة الثنائية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذه الخطوة لا تعني الاستغناء عن الدولار، وإنما تنويع أدوات تسوية التجارة الخارجية.
وكان الشامي قد أكد في تصريحات اقتصادية سابقة أن استخدام اليوان في جزء من التجارة المصرية الصينية يمكن أن يمثل أداة مساعدة لتخفيف الطلب على الدولار، مشيرًا إلى أن الأهمية الأكبر تتمثل في أن يتزامن ذلك مع زيادة الصادرات المصرية إلى السوق الصينية.
لماذا زادت قيمة اتفاقية تبادل العملات؟
زيادة قيمة الاتفاقية تحمل أهمية تتجاوز الجانب النقدي المباشر، فهي تمنح البلدين مساحة أكبر لاستخدام عملتيهما في تسوية المعاملات، وتوفر أداة إضافية أمام المؤسسات المالية والمستوردين والمصدرين.
وبحسب الرؤية الاقتصادية للدكتور هاني الشامي، فإن نجاح هذه الآلية يرتبط بقدرة مصر على تحقيق استفادة متوازنة منها، بحيث لا يقتصر استخدامها على تمويل الواردات من الصين، وإنما يمتد إلى دعم الصادرات المصرية والاستثمارات المشتركة.
وهنا تظهر أهمية التوسع في المنتجات المصرية القادرة على دخول السوق الصينية، خصوصًا أن تحقيق التوازن في التدفقات التجارية يمثل أحد الملفات الرئيسية التي اتفق عليها البلدان.
التحدي الحقيقي في زيادة الصادرات المصرية
ويرى الشامي أن التعامل بالعملات المحلية سيكون أكثر فاعلية إذا جاء بالتوازي مع زيادة الإنتاج والتصدير المصري.
فالعلاقة التجارية بين القاهرة وبكين لا تزال تواجه تحديًا يتمثل في الفارق الكبير بين الواردات المصرية من الصين والصادرات المصرية إليها.
وتشير بيانات منشورة حديثًا إلى أن التجارة بين البلدين خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت نحو 11.04 مليار دولار، مقابل صادرات مصرية للصين في حدود 600 مليون دولار.
ومن هنا، فإن توسيع استخدام العملات المحلية يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية أكبر تستهدف زيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد المصري، وجذب الاستثمارات الصينية إلى قطاعات إنتاجية قادرة على التصدير.
من التجارة إلى التصنيع المشترك
ولا تتوقف أهمية الاتفاقية عند توفير بديل جزئي لتسوية المعاملات التجارية، إذ تأتي ضمن توجه أوسع لتعميق الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
فالبيان المشترك أكد دعم التعاون في مجالات الصناعة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إلى جانب تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتشجيع الشركات الصينية على توطين صناعاتها داخل مصر.
ويشير الشامي إلى أن الميزة الأساسية لمصر تكمن في موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، وهو ما يجعلها قاعدة مناسبة للشركات الصينية التي تبحث عن مواقع إنتاج قريبة من الأسواق الخارجية.
الحزام والطريق وقناة السويس.. شراكة تتجاوز التمويل
وتكتسب الاتفاقية أهمية أكبر في ظل استمرار التعاون المصري الصيني ضمن مبادرة الحزام والطريق، خاصة أن مصر تمثل نقطة استراتيجية في حركة التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وتستهدف القاهرة من خلال التعاون مع بكين جذب مزيد من الاستثمارات الصناعية، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة المكون المحلي، وتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز للإنتاج والتصدير، وليس مجرد منطقة لعبور التجارة.
اكد الشامي ان الاستثمارات الصينية في منطقة العين السخنة بأنها خطوة استراتيجية نحو تعميق التصنيع المحلي، مشيرًا إلى أهمية نقل التكنولوجيا والخبرات الصينية إلى العمالة المصرية، بما يدعم القدرة التنافسية للصناعة المصرية.
اتفاقية «تبادل العملات».. ماذا تعني للمواطن والاقتصاد؟
تسمح اتفاقيات مبادلة العملات للبنوك المركزية بتوفير سيولة بعملات الطرف الآخر وفق شروط الاتفاق، بما يساعد على تسهيل التجارة والاستثمار وتقليل الحاجة إلى استخدام عملة ثالثة في بعض المعاملات.
وبالنسبة لمصر، فإن توسيع الاتفاقية مع الصين يمكن أن يمنح الشركات والمؤسسات المالية مساحة أكبر لتسوية بعض التعاملات باليوان والجنيه، وهو ما قد يساعد على تنويع مصادر العملة المستخدمة في التجارة الخارجية.
لكن الأثر الحقيقي، وفق القراءة الاقتصادية، لن يتحدد بحجم الاتفاقية وحده، وإنما بمدى استخدامها في زيادة التجارة والاستثمار والإنتاج والتصدير.
الصين ومصر.. 70 عامًا تفتح الباب لمرحلة جديدة
وتأتي هذه الخطوة في لحظة رمزية مهمة، إذ تحتفل مصر والصين بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وهي علاقات شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
وأكد البيان المشترك رغبة البلدين في تحقيق مواءمة أعمق بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، بما يساعد على تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي.
كما اتفق الجانبان على العمل نحو تحقيق مزيد من التوازن في الميزان التجاري، وتشجيع دخول مزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، وهي النقطة التي تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لمصر خلال المرحلة المقبلة.
تجديد اتفاقية تبادل العملات بين مصر والصين وزيادة قيمتها لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد اتفاق مالي منفصل، بل يأتي ضمن إعادة ترتيب أوسع للعلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين.
واختتم الشامي، ان الاستفادة الأكبر لمصر لن تتحقق بمجرد تقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات، وإنما من خلال استخدام هذه الأدوات المالية لدعم التجارة والاستثمار والتصنيع والتصدير.
وبذلك، يمكن أن تتحول اتفاقية تبادل العملات من مجرد أداة لتسوية المدفوعات إلى جزء من منظومة اقتصادية أوسع، تساعد مصر على بناء علاقات تجارية أكثر تنوعًا، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم.