واصل الأزهر الشريف وإذاعة القرآن الكريم، فعاليات الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وشهر ربيع الأول، برحاب الجامع الأزهر الشريف، متضمنة كلمة علمية بعنوان: "بيعتي العقبة الأولى والثانية"، ألقاها فضيلة د. حبيب الله حسن أحمد، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الشريف.
وفي كلمته قال فضيلة حبيب الله إن كلتا البيعتين تمثلان معاهدة ومواثقة؛ يأخذ رسول الله ﷺ العهد لنفسه ولربه أولا، ومن يبايع رسول الله ﷺ إنما يبايع الله تعالى، يقول الحق في ذلك : "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله "، فهما في أصل البيعة سواء من حيث كون كل منهما عهدا وميثاقا، وقد انعقدتا في المكان نفسه، وهو العقبة، أحد أودية مكة، غير أنهما اختلفتا في المضمون والمهام المترتبة عليهما؛ فبيعة العقبة الأولى كانت عهدا على الإسلام والالتزام بأصوله، ولم تتضمن النصرة والإيواء والدفاع، بينما جاءت بيعة العقبة الثانية لتضيف إلى الإيمان والالتزام مسؤولية النصرة والمنعة، وما ترتب على ذلك من الاستعداد لحماية النبي ﷺ ونصرته، وتكشف البيعتان عن جملة من القيم الحضارية الراقية، في مقدمتها الوفاء بالعهد، وتحمل المسؤولية، والالتزام الجماعي، والثقة المتبادلة، كما تؤكدان أن بناء المجتمع لا يقوم على المشاعر وحدها، وإنما يحتاج إلى مواثيق واضحة ومسؤوليات محددة، وهو ما أسهم في تهيئة البيئة التي قامت عليها الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
وأضاف فضيلة الدكتور حبيب الله حسن أن هذا التمهيد والتدرج بين البيعتين يكشف عن حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع، والتعامل مع مراحل الدعوة ومتطلباتها بما يحقق مقاصدها ويحفظ تماسك الجماعة، مشيرا إلى أن البيعة الثانية جاءت أكثر اتساعا حيث لم تتجاهل فئة من فئات المجتمع؛ فكان فيها الرجال والنساء، وهو ما نلاحظه من مشاركة السيدتان نسيبة بنت كعب، وأم عمارة، ضمن من بايعن النبي صلى الله عليه وسلم، في مشهد يعكس حضور المرأة ومشاركتها في تحمل المسؤولية، ويؤكد أن بناء المجتمع في التصور الإسلامي لم يكن قائمًا على إقصاء فئة أو تعطيل دورها، وإنما على إشراك أفراده في تحمل تبعات المرحلة كل بحسب موقعه وقدرته، وهذا التنوع يكشف عن ملامح حضارية في المجتمع الإسلامي.