هل كل تعطل في حياتنا وراءه أذية؟
من واقع الرسائل والأسئلة اليومية التي تصلني، أجد تكراراً عجيباً لسيناريو واحد يتكرر بأشكال مختلفة: فلان شاب مجتهد ومؤدب لكن كلما طرق باباً للعمل أُغلق في وجهه، وفلانة فتاة على قدر عالٍ من الجمال والأدب والتعليم، ينبهر بها كل من يراها، ولكن ما إن يتقدم لها عريس حتى تنتهي الحكاية فجأة دون سبب واضح!
وفي كل هذه الحالات، أجد القاسم المشترك في نهاية السؤال هو جملة واحدة يملؤها الحزن والخوف: "تفتكري يا أستاذة أنا معمول لي عمل أو حد ساحر لي؟"
لقد تحول السحر في مجتمعنا إلى "الشماعة الجاهزة" التي نعلّق عليها كل تفاصيل عثراتنا وتأخر أرزاقنا، فهل يعقل أن يكون الكون كله قد تفرغ لإيذائنا، أم أن هناك أموراً أخرى غفلنا عنها؟
أولاً: أرزاق مؤجلة لحكمة يعلمها الله
إن أول ما يجب أن يترسخ في قلوبنا هو أن كل شيء بيد الله وحده، وأن السحر ليس إلهاً يتحكم في الأقدار. يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
{وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102].
فإذا تأخر الزواج، أو تعطل العمل، أو ضاق الرزق، فذلك يجري بمقادير الله ولحكمة قد تغيب عن عقولنا القاصرة.
ربما يؤخر الله عنكِ الزواج الآن ليحميكِ من اختيار خاطئ قد يفسد حياتك، وربما يغلق في وجهك باب عمل ليوجهك إلى مكان أفضل لم تكن تحلم به. إن الله لا يمنع ليعذبنا، بل يمنع ليحمينا، فالمنع في حقيقته عين العطاء، وكما قال سبحانه:
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}[البقرة: 216].
فلماذا نترك حسن الظن بالله وحكمته، ونركض فوراً نحو فكرة "السحر والأذية"؟
ثانياً: فتش في علاقتك مع الله قبل أن تظن بالناس
الغريب والمبكي في آن واحد، أن أغلب من يشتكون من هذه "التعطيلات" ويظنون أنهم مسحورون، إذا فتشت في واقع حياتهم اليومية تجد علاقتهم بالله تحتاج إلى مراجعة حقيقية!
فمنهم من يشتكي وقف الحال وهو لا يصلي الفجر في وقته، أو يقطع في صلاته.
ومنهم من يهجر القرآن لأسابيع ثم يتساءل: لماذا بيتي مليء بالطاقة السلبية والهموم؟
ومنهم من يترك نفسه بلا تحصين، ولا يعرف عن أذكار الصباح والمساء إلا اسمها.
إنه من غير المنطقي أن نطلب من الله التوفيق وتيسير الأرزاق، ونحن مقصرون في حقه. فالطاعة هي مفتاح البركة، والمعصية والتقصير هما السبب الحقيقي لضيق الصدر ومحق البركة. يقول النبي ﷺ: (إنَّ العبدَ لَيُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه) [رواه أحمد].
ثالثاً: العلاج الحقيقي.. كيف نحمي أنفسنا ونطمئن؟
إن علاج هذا الوهم الذي يعيش فيه الكثيرون يتلخص في خطوتين عمليتين لا ثالث لهما:
التحصين الذاتي وترك الدجالين: لا تحتاج إلى الذهاب لمعالج أو شيخ ليقيس لك "العمل". علاجك في يدك أنت؛ حافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، والزم أذكار الصباح والمساء بيقين، واجعل لسانك رطباً بذكر الله. فالنبي ﷺ قال عن سورة البقرة: (اقرَؤُوا سورةَ البقرةِ؛ فإنَّ أَخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَستطيعُها البَطَلَةُ) [رواه مسلم]، والبطلة هم السحرة. بيت يُقرأ فيه القرآن وتحرسه الأذكار، لا يجرؤ شيطان على الاقتراب منه.
الصبر وعدم استعجال الرزق: الرزق كالجنين في بطن أمه، يولد في وقته المحدد تماماً، واستعجاله أو السخط بسببه لن يقدمه ساعة. تذكر دائماً قول النبي ﷺ: (يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) [متفق عليه].
يا غاليين.. السحر موجود حقاً ولا ننكره، ولكن تهويله وجعله الشماعة لكل إخفاق هو ضعف في اليقين وتكاسل عن السعي ومواجهة الأخطاء.
بدلاً من أن تسألوا: "من الذي صنع لي سحراً؟"، اسألوا أنفسكم: "ما هي علاقتي مع الله اليوم؟". املأوا قلوبكم بالرضا، وحصّنوا أنفسكم بالقرآن، واعلموا أن ما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، وما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وأن خزائن الله ملأى، ولا تُنال إلا بطاعته وحسن الظن .
أميرة يونس تكتب: شماعة السحر