يعيش العالم اليوم تحت سطوة كائن ضوئي شديد العتو والجسارة، كائنٍ لا يكتفي بتوثيق اللحظة، بل يمارس عليها السلب والنهب، ثم يعيد تشكيلها وتزييفها ليفرضها على العقل البشري كواقعٍ بديل. إنه عصر الصورة؛ العصر الذي تحولت فيه الأيقونة من مجرد أداة لتسجيل الذكريات واقتطاع برهة زمانية من بلعوم الفناء، إلى سلطة مطلقة تُدار بها العروش، وتُساق بها الجماهير، وتُباع فيها المآسي في سوق النخاسة الرقمية تحت شعارات البروباغندا وإدارة الانطباعات.
إن المتأمل في التحولات العميقة التي أحدثتها الكاميرا في وجدان المجتمعات الحديثة، يدرك أننا لم نعد نعيش الواقع لنحياه، بل لنصوره. لقد تراجعت القيمة لصالح العرض، وغاب المضمون لحساب الشكليات البراقة، وأصبح الإنسان الحديث يستمد مشروعية وجوده واستحقاقه الإنساني لا من قيمه وأخلاقه أو عمق فكره، بل من عدد الإعجابات وتدفق التعليقات على شاشة زجاجية لا روح فيها ولا حياة.
أولاً: من استعادة الزمن إلى تأبيد الوهم
في البدء، كانت الصورة محاولة إنسانية فطريّة لمغالبة الزمن؛ سرقة مجدية لفراطة من جيب الحاضر لتقديمها كعيدية للمستقبل، وتدوينًا لمراحل العمر من لقطة السونار الأولى للجنين، مرورا بشموع الميلاد وألبومات الصبا، وصولاً إلى شارة الحداد. غير أن هذه الغاية الأرشيفية البسيطة سرعان ما انحرفت عن مسارها، لتتحول الصورة إلى غواية كاملة وثورة صارخة على بساطة الواقع.
لقد تحولت الكاميرا من شاهد عدل إلى صانع زور. باتت كأساً من نبيذ الرغبة يُغري المرء بادعاء الجسارة وهو وجل، والتصنع بالهيبة وهو خاوٍ من الداخل. إنها عملية إعادة تدوير للنفس البشرية عبر تزييف صك الحقيقة، حيث يهرع الإنسان المعاصر -تحت وطأة اضطرابات الصورة الذاتية والشعور بالدناءة النفسية- إلى استجداء القبول المجتمعي عبر طلقات ضوئية معدلة تُرمم الهواجس وتغطي على الانكسارات.
وهنا تظهر ازدواجية النفس البشرية في أبشع صورها؛ فقد يضن المرء بنشر صورة لأبويه الحقيقيين لبساطتهما، بينما ينشر صورة لرمزٍ أو مسؤول ليصنع لنفسه نسبًا فكريًا أو اجتماعيًا زائفًا. إنه هروبٌ من ظلمة النيجاتيف النفسي إلى بؤرة الضوء المصنوع، وتأبيدٌ لوهم الكينونة على حساب حقيقة الوجود.
ثانياً: اقتصاد المأساة وتجارة السلع الرقمية
لم تقف سطوة الصورة عند حدود الترميم النفسي، بل امتدت لتصبح سلعة قائمة بذاتها في البيزنس الرقمي المعاصر. لقد غدت الكاميرا ساحرة شريرة تقتات على الدموع والتناقضات؛ تصوّر ولا تُدقّق، وتسكب في العيون عصير الكُذاب.
في عالم شبكات التواصل الاجتماعي، استُعيض عن الصدق بتصنع الابتسامات، وصارت الفاجعة والمأتم كالعرس تماماً؛ مادة صالحة للنشر والترند وحصد الأرباح. لقد تساوت الوجبة الدسمة بالمجاعة، واستُغلت الدماء والحروب لا لوقف نزيفها، بل للارتواء بالتقاطها والتكسّب من مشاهديها.
وهذا التجريف الأخلاقي هو التجسيد المباشر للغواية الشيطانية التي حذر منها القرآن الكريم في قوله تعالى: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأحتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: 62]. فالاحتناك والسيطرة هنا يتجليان في سلب الإنسان قدرته على التمييز بين الحق والباطل، واستدراجه لخلط الطيب بالخبيث، حتى يغدو الواقع كذبة والتزييف حقيقة.
ثالثاً: الحروب الضوئية وسلطة الأيقونة السياسية
على الصعيد السياسي والإعلامي، كانت الصورة ولا تزال سلاحاً فتاكاً لإعادة كتابة التاريخ وإشاعة الضلال أو إحياء الرشاد. كم من بطولات حقيقية مُحيت من الذاكرة القومية لأن الكاميرا أُزيحت عنها عمداً لصالح أشباه أبطال، وكم من قياصرة حرب فضحتهم العدسات لكنها لم تمنع طغيانهم.
إن السياسة الحديثة ليست سوى حرب صور؛ تُصنع فيها هيبة الدول وعروش الملوك من خلال مشاهد إخراجية دقيقة تُدرس زواياها بعناية، لانتزاع التعاطف أو فرض الرهبة. الصورة السياسية هي طلقة انطباعية تستهدف العقل الجمعي، وتصنع خيالاً عاماً يُغطي على سوءات الواقع وسياسات الكواليس.
ولعل أخطر ما نواجهه اليوم هو دخول تقنيات التزييف العميق (Deepfake) إلى عرصة الصراع، حيث لم تعد الصورة مجرد كذب باختيار الزاوية، بل أصبحت صناعة تامة للباطل وافتراءً كاملاً على الأبرياء؛ مما يهدد الاستقرار المجتمعي ويجعل السلم الأهلي والأخلاقي على شفا جرف هار.
رابعاً: عودة إلى الجوهر.. البقاء للقيم لا للصورة
إن المقولة الشائعة اليوم بأن البقاء للصورة هي استسلام خطير لفلسفة السطحية والتفاهة. نعم، قد تعيش الصورة أطول من صاحبها، وقد تخدع أجيالاً متعاقبة بجمال مصنوع أو هيبة زائفة، لكنها في النهاية تظل جثة ضوئية هامدة لا روح فيها إن لم تستند إلى حقيقة صلبة وجوهر أصيل.
لقد خلطت الحداثة الرقمية عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وحولت الإنسان إلى كائن هائم يطارد طيفه في مرآة الآخرين، في وقتٍ تتآكل فيه العلاقات الأسرية الحقيقية ويغيب فيه التواصل الروحي الصادق.
إن الواجب الفكري والأخلاقي يفرض علينا اليوم -ونحن نخوض معركة الوعي- أن نُعيد الاعتبار للواقع على حساب الافتراض، وللجوهر على حساب الشكل. فالإنسان في جوهره موقف وسمعة وأثر طيب، أما الصورة فليست إلا ظلاً زائلاً، والظل لا يصحح مسار العود إن كان العودُ معوجاً.
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: طغيان الأيقونة واغتيال الحقيقة.. قراءة في سيكولوجيا عصر الصورة