ها نحن قد نضجنا، وتغيرت أولوياتنا اليوم غير الأمس، وها نحن ننظر إلى الحياة بنظرة مختلفة. لم تعد تلك الأشياء التي كانت تبهرنا كما هي، ولم يعد نفس الأشخاص الذين كنا نشعر معهم بالسكينة كما كانوا. سقط القناع عن الكثيرين، وقلَّ عدد الأصدقاء.
ماذا حدث؟ هل الزمن هو الذي غيرنا، أم أن التجارب التي مرت بنا حولتنا تدريجيًا دون أن نشعر؟ فأصبحنا نسخًا أخرى.
لا شك أن في النضج جمالًا، فالرؤية بوضوح كشفت الكثير، ولكن ما زلنا نفتقد تلك النسخة الطفولية التي لا تعبأ بشيء، تلك النسخة التي كانت تستمتع بأبسط الأشياء وتسعد بها.
نعم، لكل مرحلة حلاوتها، ولكن عندما فهمنا أكثر، تألمنا أكثر، وباتت هناك مرارة في الحلق نتذوقها عندما نكتشف كيف كنا بهذه السذاجة.
ماذا لو عاد بنا الزمن؟ هل سنصحح تلك الأخطاء؟ هل سنسمح لهؤلاء الذين آذونا، أو أسأوا فهمنا أو تقديرنا، بالدخول مرة أخرى إلى حياتنا؟
الكثير من الأسئلة تجول في رؤسنا، تبحث عن إجابات، تبحث عن تفسير. ولكن، برغم كل هذا، فأنا أفتقد نسختي القديمة، حتى وإن كانت بها أخطاء.
أحنُّ إلى ضحكتي القديمة، أحنُّ إلى ذكرياتي، أحنُّ إلى ذلك النوم العميق بلا قلق، إلى تلك الروح الهادئة أحنُّ إلى السكون، إلى راحة البال.
ربما لا نحتاج أن نعود كما كنا، فالحياة لا تعيد لنا نسخنا القديمة، ولكن ربما نستطيع أن نأخذ من طفلتنا الصغيرة بعضًا من براءتها، ومن ضحكتها، ومن قدرتها على الفرح دون حساب، ونمنحها لأنفسنا من جديد.
ربما نستطيع أن نتعلم أن نعيش دون أن نحمل كل ما حدث لنا على أكتافنا، وأن نترك بعض الأشياء تمضي دون أن نبحث لها عن تفسير، وأن نمنح قلوبنا فرصة أخرى للراحة، بعدما أتعبتها كثرة الحذر.ولكن نستطيع ان نمنح أنفسنا لحظات من الهدوء ،من السكون.
لقد أهلكتنا معارك الحياة، فأنهكتنا... ويبقى السؤال
أين أنتِ، طفلتي الصغيرة؟!