قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بلال قنديل يكتب: لغة الصمت

بلال قنديل
بلال قنديل

ليس كل ما نشعر به يمكن أن تقوله الكلمات، وليس كل ما نريد التعبير عنه يحتاج إلى حديث طويل، هناك مشاعر تقف الكلمات عاجزة أمامها، وأحاسيس لا تجد طريقها إلى الصوت، فتختار الصمت لغة لها، والصمت ليس دائمًا غيابًا للكلام، بل قد يكون حضورًا عميقًا لكل ما عجزنا عن قوله.

نتحدث كثيرًا في حياتنا، نشرح ونبرر وندافع ونحاول أن نجعل الآخرين يفهمون ما بداخلنا، لكننا في أوقات كثيرة نكتشف أن الكلام لا يغير شيئًا، ونكتشف أن هناك أشخاصًا لا يريدون أن يفهموا، ومواقف لا تحتاج إلى تبرير، وعلاقات أصبح فيها الكلام عبئًا أكثر من كونه وسيلة للتقارب، عندها يصبح الصمت اختيارًا، لا عجزًا.

لغة الصمت لا يتقنها الجميع، فهي تحتاج إلى إنسان يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى تكون كلمة واحدة أبلغ من حديث طويل، ومتى يكون السكوت رسالة لا تحتاج إلى ترجمة، الصمت في بعض المواقف احترام، وفي مواقف أخرى حكمة، وفي لحظات معينة يكون حفاظًا على ما تبقى من مشاعر لم تفسدها كثرة الكلام.

هناك صمت يشبه العتاب، حين نتوقف عن الشرح لأننا شرحنا كثيرًا ولم يسمعنا أحد، وهناك صمت يشبه الوداع، حين ندرك أن بعض الأشخاص لم يعودوا يشبهون الصورة التي احتفظنا بها عنهم، وهناك صمت يشبه الرضا، حين نتعلم أن الحياة لا تمنحنا كل ما نريد، وأن بعض الأشياء لا يمكن تغييرها مهما حاولنا.

وقد يكون الصمت أحيانًا أقسى من الكلام، فنظرة صامتة قد تقول ما لا تستطيع صفحات كاملة أن تقوله، وابتعاد شخص كان دائمًا قريبًا قد يحمل من المعاني ما يفوق ألف كلمة، وحين يصمت من اعتدنا حديثه، علينا أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا ماذا حدث، فالصمت المفاجئ غالبًا لا يأتي من فراغ، وإنما يأتي بعد تراكم طويل من التفاصيل.

لكن علينا أيضًا أن نفرق بين الصمت الحكيم والصمت المؤذي، فليس من الحكمة أن نصمت دائمًا حتى تتراكم المشاعر داخلنا، وليس من القوة أن نخفي الألم حتى نبدو بخير، هناك أوقات يكون فيها الكلام ضرورة، والاعتراف بما يؤلمنا شجاعة، وطلب المساعدة قوة، الصمت الجميل هو الذي يمنحنا فرصة للتفكير، لا الذي يحبسنا داخل وجعنا.

في العلاقات الإنسانية، قد يكون الصمت مساحة للراحة، أن تجلس بجوار شخص تحبه دون أن تشعر بالحاجة إلى الحديث، فتشعر أن وجوده وحده يكفي، تلك واحدة من أجمل صور القرب، فالعلاقات الصادقة لا تقاس بعدد الكلمات التي تقال، بل بقدرة كل طرف على فهم الآخر حتى عندما لا يتحدث.

والإنسان مع مرور السنوات يتعلم أن بعض المعارك لا تستحق أن يخوضها، وبعض الكلمات لا تستحق أن يرد عليها، وبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى أن تثبت لهم حقيقتك، تتغير نظرتنا للأشياء، فنصبح أكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على تجاوز ما كان يستنزفنا في الماضي، نكتشف أن راحة القلب أحيانًا أهم من الانتصار في نقاش لا نهاية له.

لغة الصمت تعلمنا أيضًا أن نصغي، ففي عالم يمتلئ بالضوضاء، يصبح الاستماع فنًا نادرًا، عندما نصمت قليلًا، نسمع أنفسنا بوضوح أكبر، نكتشف ما نريده حقًا، وما الذي يؤلمنا، وما الذي لم يعد يناسبنا، وربما نكتشف أن بعض الإجابات التي كنا نبحث عنها في الخارج كانت موجودة بداخلنا منذ البداية.

الصمت ليس دائمًا فراغًا، بل قد يكون مساحة تمتلئ بالتفكير والمراجعة والإحساس، وقد يكون لحظة نعيد فيها ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين، وفي كثير من الأحيان، لا يكون الصمت نهاية الحديث، بل بداية فهم جديد.

لذلك لا تخف من الصمت، ولا تعتبره دائمًا علامة على البعد، أحيانًا يصمت الإنسان لأنه تعب من الشرح، وأحيانًا يصمت لأنه يحاول أن يحمي قلبه، وأحيانًا يصمت لأنه وجد السلام الذي كان يبحث عنه طويلًا.

وفي النهاية، تبقى لغة الصمت واحدة من أكثر اللغات صدقًا، لا تحتاج إلى صوت مرتفع، ولا إلى كلمات كثيرة، ولا إلى تبريرات، يكفي أن نتعلم قراءتها، وأن نفهم أن خلف كل صمت حكاية، وخلف كل سكوت شعورًا، وخلف كل ابتعاد كلامًا كثيرًا لم يجد طريقه إلى النطق.

وربما أجمل ما في الصمت أنه يعلمنا شيئًا لا نتعلمه بسهولة: ليس كل ما نشعر به يجب أن يقال، وليس كل ما يقال يستحق أن نسمعه، وأحيانًا يكون الصمت هو الكلام الذي اختار أن يحمي القلب.