قالت دار الإفتاء المصرية، إنه إذا كان الطلاق رجعيًّا فلا يجزئ المُزكِّي دفع زكاة ماله إلى مطلَّقته من سهم الفقراء والمساكين، فإن استحقت الزكاة بغير وصف الفقر أو المسكنة، كأن كانت من الغارمين، جاز له أن يدفع إليها من زكاة ماله.
وأضافت " الإفتاء" حكم إخراج الرجل زكاة ماله لعلاج مطلقته المحتاجة في إجابتها عن سؤال: هل يجوز للمُزكِّي أن يدفع زكاة ماله إلى مطلَّقته لتُجري بها عمليةً جراحيةً ضرورية، لعجزها عن تحمُّل تكاليف العلاج؟، أنه إذا كان الطلاق بائنًا -بينونة صغرى كان أو كبرى-، فيجوز له أن يدفع إليها من زكاة ماله لمساعدتها في إجراء عملية جراحية عند عجزها عن تحمُّل تكاليفها.
حكم إخراج الرجل زكاة ماله لعلاج مطلقته المحتاجة
وأضافت أن المطلَّقة إمَّا أنها طُلِّقت طلاقًا رجعيًّا، وهي من طُلِّقت بعد الدخول طلاقًا دون الثلاث في غير مقابلة مال، وإمَّا أنها طُلِّقت طلاقًا بائنًا، والطلاق البائن ينقسم إلى بائن بينونة كبرى، وبائن بينونة صغرى.
وتابعت: أمَّا الطلاق البائن بينونة صغرى فهو ما كان دون الثلاث وكان على مال، أو كان قبل الدخول، أو كان بحكم القاضي، والطلاقُ الرجعيُّ إذا انقضت عدَّةُ المطلَّقة دون أن يُراجعها زوجُها، صار بائنًا بينونةً صغرى، وأمَّا الطلاق البائن بينونة كبرى فهو المكمِّل للثلاث.
وأردفت: فأمَّا المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا فهي في حكم الزوجة ما دامت في العدَّة، فيثبت لها سائر أحكام الزوجية؛ من احتباسها لحقِّ زوجها، وتحريمها على غيره، وبقاء عصمتها في يده، واستحقاقها الإرث منه إن مات وهي في العدَّة.
واستندت لما قال إمام الحرمين الجُوَينِي في "نهاية المطلب" (14/ 48، ط. دار المنهاج): [الرجعية زوجة ما دامت في العدَّة] اهـ. ولمَّا كانت المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا في حكم الزوجة من حيث بقاء آثار الزوجية، فإنَّه لا يجوز للزوج أن يدفع إليها الزكاة من سهم الفقراء والمساكين؛ لوجوب نفقتها عليه، فتصير غنيَّة بذلك.
ودللت بما قال الإمام ابن المنذر في "الإشراف" (3/ 104، ط. مكتبة مكة): [أجمع أهل العلم على أنَّ الرجل لا يُعطِي زوجته من الزكاة] اهـ. ويدخل في النفقة الواجبة على الزوج نفقةُ العلاج، وهو ما قرَّره بعض العلماء، واستقرَّت عليه الفتوى. وقال الشيخ عليش في "منح الجليل" (4/ 392، ط. دار الفكر) في سياق حديثه عن النفقة الواجبة على الزوج: [عن ابن عبد الحكم: عليه أجرُ الطبيب والمداواة] اهـ.
واستشهد بما قال العلامة الشوكاني في "السيل الجرار" (1/ 459- 460، ط. دار ابن حزم): [وأما قوله: (كفايتها كسوةً ونفقةً وإدامًا) فصحيحٌ، مع التقييد بقوله عز وجل: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ ٱللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]. وأما إيجاب الدواء فوجهه: أن وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها، والدواء من جملة ما يحفظ به صحتها] اهـ.
و أفادت بأن هذا ما نصَّت عليه المادة (1) من قانون الأحوال الشخصية المصري رقم (25) لسنة 1920م، حيث جاء فيها: [تجب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلَّمت نفسها إليه ولو حُكمًا حتى لو كانت موسرةً أو مختلفةً معه في الدين، ولا يَمنعُ مرضُ الزوجةِ مِن استحقاقها للنفقة، وتشملُ النفقةُ الغذاءَ والكسوةَ والسكنَ ومصاريفَ العلاج وغيرَ ذلك بما يقضي به الشرع] اهـ.
ونبهت إلى أنه إذا كانت الزوجة مستحقَّةً للزكاة بغير وصف الفقر أو المسكنة، كأن كانت من الغارمين، جاز لزوجها أن يدفع إليها من زكاة ماله حينئذٍ. وقال العلامة الخطيب الشربيني في "الإقناع" (1/ 232، ط. دار الفكر) في سياق تعداده من لا يجوز دفع الزكاة إليهم: [(و) الرابع (من تلزم المزكِّي نفقته) بزوجيَّة أو بعضيَّة (لا يدفعها) إليهم (باسم) أي من سهم (الفقراء) ولا من سهم (المساكين) لغناهم بذلك، وله دفعها إليهم من سهم باقي الأصناف إذا كانوا بتلك الصفة] اهـ.
واستطردت: وأمَّا المطلَّقة طلاقًا بائنًا -بينونة صغرى أو كبرى- فإنها تصير بالبينونة أجنبيَّةً عن الزوج، فيجوز له أن يدفع إليها من زكاة ماله، متى توافر فيها وصفُ الفقر أو المسكنة، أو غيرهما من أوصاف الأصناف الثمانية الواردة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].
واستدلت بما قال الإمام أبو الحسن بن القطان في "الإقناع" (1/ 222، ط. دار الفاروق): [أجمع أهل العلم أنَّ من فَرَّق صدقته في الأصناف التي ذكرها الله عز وجل في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أنه مؤدٍّ لما فُرِضَ عليه] اهـ.
وواصلت : ويتأكد استحقاقها حينئذٍ للزكاة إذا كانت مع احتياجها مريضة، فالزكاة ما شُرعت إلا لبناء الإنسان وكفاية حاجته، وتحقيق قوام حياته وسائر شؤون معيشته، من علاجٍ، وتعليمٍ، وكفاية مؤونة، وغير ذلك من ضروريات الحياة وحاجياتها.
وأشارت إلى ما قال الإمام الكاساني في "بدائع الصنائع" (2/ 3، ط. دار الكتب العلمية): [أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف، وإغاثة اللهيف، وإقدار العاجز وتقويته على أداء ما افترض الله عز وجل عليه من التوحيد والعبادات، والوسيلةُ إلى أداء المفروضِ مفروضٌ] اهـ.
ولفتت إلى ما قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/ 385، ط. دار المعرفة): [إنَّ المقصود بمشروعية الزكاة: رفع رذيلة الشح، ومصلحة إرفاق المساكين، وإحياء النفوس المعرَّضة للتلف] اهـ.

