قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

نورهان حشاد تكتب: على عتبات الفجر البِكر.. حكاية روح واجهت طوفان القلق بكلمتين

نورهان حشاد
نورهان حشاد

تكمن أكبر خدعة يعيشها المرء كل صباح في ظنه بأنه يملك زمام يومه؛ فيخطط، ويرتب، ويقلق كأنه يدير الكون! وفي اللحظة التي تدور فيها تروس الحياة لتدفع بالبشر نحو لهاث السعي، والوقوع تحت عبء التوقعات والركض وراء حسابات الأمان البشري، تختار الروح المستنيرة أن تكسر هذا العبء الثقيل، وتواجه هذا الوهم بكلمات تفيض باليقين: "يا رب، ماذا أنت فاعل بي اليوم في ملكك؟".

عبارة قصيرة، لكنها كفيلة بأن تزلزل جبال الخوف من تحديات الحاضر ومفاجآت المستقبل ، هذا التساؤل ليس ضعفاً، بل هو قمة الذكاء الروحي؛ إنه إعلان انسحاب من معركة التدبير العاجزة، وتجريد للمرء من ضيق حساباته البشرية، لتلقي بنفسها في نهر المقادير الشاسعة ورحابة ملكوت الخالق الشامل الذي يطعم الطير ويسير الفلك بلطفه.

إن هذا الخطاب الروحي ليس مجرد سؤال عابر تذروه الرياح، بل هو إعلان صريح عن العبودية الكاملة والإعتراف بالربوبية المطلقة في أبهى صورها ،فحين تنادي الروح الخالق بـ "في ملكك"، فهي تدرك تماماً حجمها الضئيل في هذا الكون الفسيح، وتتدبر قول الله تعالى: "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء"، فتعلم أن كل ما يحيط بهامن حركتها وسكونها، ورزقها وصحتها يقع تحت طائلة ملكوت الله الذي لا يغفل ولا ينام.

وهذه الوقفة الروحية ترفع عن كاهل الذات ثقل التدبير وتفسح المجال لليقين الإلهي ليدبر تفاصيل الحياة، مصداقاً لقوله عز وجل: "ألا له الخلق والأمرتبارك الله رب العالمين". 

فما أشد تعب الروح حين تستيقظ والكون كله فوق كتفيها، تفتش في ليل الغد المظلم عن طمأنينة لن يصنعها جهدها المحدود، ويحارب في معارك لم يُخلق لها! غير أن هذا السؤال العظيم يأتي كبلسم ليرد الروح الشاردة إلى مأواها؛ فينحني القلب انكساراً وتسليماً بين يدي مولاه، ملقياً بمفاتيح أمره لعظيم لطفه، لتمضي في يومها آمنة مطمئنة، تكتنفه رعاية رب حكيم يدبر أمرها بعلم محيط ورحمة لا تنفد.

وعندما تفتح الروح عينيها على أستار فجر لا يعلم ما وراءه، فإنها لا تدخله كخائفة تُساق إلى مصيرها، بل كعاشقة تنتظر موعداً مع فيض الجود الإلهي. 

هذه المناجاة تشق ظلمات القلق، لتلج الروح يومها بروح المغامر المطمئن الذي يعلم أن ما ينتظرها خلف ستار الغيب، والمكتوب في قوله سبحانه: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"، ليس إلا تدبيراً محكماً من مالك الملك، يعقبه فرج عظيم ولطف يدهش العقول؛ فالروح هنا تنتظر بلهفة ويقين أن الذي يسير هذا الملكوت هو "الرحمن الرحيم"، وبالتالي فإن أفعال الله بها في هذا اليوم لن تخرج عن دائرة ألطافه الخفية وحكمته.

وتمنح هذه المناجاة الصباحية الروح مرونة هائلة لمواجهة تقلبات الحياة اليومية المستمرة، متسلحة بقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها". فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة، والخطط التي تُرسم في الصباح قد تتغير تماماً بحلول المساء، وعندما تبدأ الروح يومها بتفويض الأمر كله لله، فإنه يكتسب مناعة ضد الإحباط واليأس؛ فإذا أُغلقت في وجهها أبواب، علمت أن الله فعل ذلك لحكمة، وإذا فُتحت لها آفاق غير متوقعة، علمت أنها من فيض كرمه وجوده.

إنها دعوة حقيقية للعيش في الحاضر، والتخلي عن محاولات السيطرة الكاملة على مجريات الأحداث المحيطة، ممتثلين لقوله سبحانه: "ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره".

فالمرء لا يملك من أمره شيئاً سوى السعي الدؤوب، أما النتائج والتحولات الجوهرية فهي بيد مالك الملك وحده، وهذا الوعي يضفي على الروح سلاماً داخلياً عميقاً، ويجعل الصدر منشرحاً استقبالاً لأي سيناريو يكتبه الله في ذلك اليوم برضا تام واطمئنان.

ومع انقضاء ساعات السعي وانطواء صفحة اليوم، يكتشف المرء الحقيقة الكبرى التي يغفل عنها الراكضون في دروب الحياة؛ وهي أن قمة قوتها لم تكن يوماً في عنادها ومحاولاتها اليائسة، بل كانت في تلك اللحظة الخفية التي تبرأت فيها من حولها وقوتها مستحضرة: "...وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد".

فهل ثمة ما هو أغرب وأجمل من روح تدخل يومها متجردة من كل خططها، لتخرج منه ممتلئة بكل الغنائم والدهشات التي رتبها لها مالك الوجود؟.