في عصر المنصات المفتوحة والسرعات الرقمية الفائقة، لم تعد المعركة معركة الوصول إلى المعرفة، بل أصبحت معركة الفرز والتدقيق وبناء الفكر النقدي السليم.
أصبحت المعلومة تحيط بنا من كل جانب، ومزج الشائعة بالخبر بات أمراً يقع في غمضة عين، ليصل إلى ملايين العقول عبر المنصات المختلفة قبل أن تتسنى للمتلقي فرصة التساؤل أو التثبت.
ومن هذا المنطلق الفكري الواعي، تأتي المبادرة التوعوية الجديدة التي أطلقتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تحت عنوان «فكر قبل ما تصدق»، كخطوة استباقية مهمة تستهدف الشباب الجامعي، وتضع حجر أساس جديد لحماية العقول وتنشئة جيل قادر على التعامل الفطين مع طوفان الشائعات والمحتوى المتداول.
إن حماية عقول أبنائنا من التضليل والمعلومات المغلوطة لا تأتى مطلقاً بالمنع أو التجاهل، وإنما ببناء القدرة على التحليل والفرز وتأصيل المنهج العلمي في التفكير قبل التصديق.
وقد أحسنت وزارة التعليم العالي حين تبنت في هذه السلسلة لغة عصرية ومحتوى رقمي مبسط يناسب طبيعة الشباب واهتماماتهم اليومية، مستخدمة الإنفوجرافات والفيديوهات القصيرة التي تخاطب مواقف حية من واقع دراستهم وحياتهم، مما يضمن وصول الرسالة بسلاسة دون التنازل عن عمق هدفها التربوي والتوعوي.
وترتكز هذه المبادرة في جوهرها على إرساء ثلاثة مفاهيم أساسية، أولها أهمية التفكير والتأني قبل التفاعل أو الاندفاع خلف الموجات الرقمية، وثانيها ضرورة التحقق من صحة ما يُقرأ أو يُشاهد قبل اتخاذ قرار المشاركة والتداول، وثالثها الاعتماد الدائم على المصادر الموثوقة الرسمية لاستقاء الأنباء والحقائق.
وتكمن قناعتي الشخصية في أن التعامل مع الشاشة اللمسية لم يعد مجرد نشاط ترفيهي، بل أصل من أصول المسئولية المجتمعية والأخلاقية التي يتحملها الشاب المعاصر، إذ إن انسياق طالب الجامعة خلف الشائعات يقلل من ثمرة ما يتلقاه داخل مدرجات الدراسة من منهجية تفكير قائمة على الدليل والبرهان.
ولذا فإنني أرصد في هذه المبادرة تجسيداً حقيقياً لدور المؤسسة التعليمية التي لا يقتصر دورها على منح الشهادات، بل يمتد لتشكيل الشخصية الواعية؛ فسلسلة «فكر قبل ما تصدق» لا تقدم مجرد نصائح عابرة، بل تؤسس لثقافة صحية تُعلي من قيمة الحقيقة، وترسي قواعد التفكير النقدي الذي تُصان به المفاهيم وتُبنى به الأوطان على أسس راسخة من الوعي والمعرفة.