بين مساء الثلاثاء وصباح الأربعاء، تحوّلت توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع الموسع بمقر القيادة الاستراتيجية إلى قرار تنفيذي واضح، يحمل موعدًا محددًا ويبدأ تطبيقه اعتبارًا من الخميس الأول من أكتوبر المقبل.
ففي اجتماع ضم رئيس مجلس الوزراء، ومجلسي الوزراء والمحافظين، وقيادات القوات المسلحة والشرطة، إلى جانب العمد والمشايخ والخبراء، وجّه الرئيس السيسي بترشيد تكاليف تراخيص السيارات، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، والتأكيد على حسن معاملتهم داخل وحدات المرور.
وبعد أقل من 24 ساعة، أعلنت وزارة الداخلية بدء التشغيل التجريبي لمنظومة جديدة في جميع وحدات المرور، تقوم على تبسيط إجراءات الترخيص، وتطبيق نظام «الشباك الواحد»، وسداد الرسوم من خلال نقطة تحصيل واحدة، إلى جانب إلغاء عدد من المتطلبات التي كانت مرتبطة بإجراءات الترخيص.
وهكذا انتقل الملف سريعًا من التوجيه إلى التنفيذ، في خطوة تعكس اهتمام الدولة بتطوير الخدمات الجماهيرية وتخفيف الأعباء المرتبطة بالإجراءات اليومية التي يتعامل معها المواطن بصورة مباشرة.
ملف يمس حياة ملايين المواطنين
ويحظى ملف المرور بأهمية خاصة، باعتباره واحدًا من أكثر الملفات الخدمية ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين؛ حيث تشمل خدماته إصدار وتجديد تراخيص السيارات، ورخص القيادة، وإنهاء العديد من الإجراءات المرتبطة بالمركبات.
ومن هذا المنطلق، جاء توجيه الرئيس السيسي بترشيد تكاليف تراخيص السيارات وتحسين مستوى الخدمة، في إطار توجه أوسع نحو تطوير الخدمات الحكومية وتيسير حصول المواطنين عليها.
فالهدف لا يقتصر على خفض التكلفة فقط، وإنما يمتد إلى تبسيط الإجراءات وتنظيم عملية تقديم الخدمة، بما يجعل رحلة المواطن داخل وحدة المرور أكثر وضوحًا وسهولة.
منظومة جديدة تبدأ من «الشباك الواحد»
وتقوم المنظومة الجديدة التي أعلنتها وزارة الداخلية على تطبيق نظام «الشباك الواحد»، بحيث يتعامل المواطن ماليًا مع شباك واحد فقط، ولمرة واحدة، ثم تستكمل باقي مراحل الترخيص دون تعامل مالي آخر.
ويأتي ذلك في إطار رؤية متكاملة أعدتها وزارة الداخلية لإعادة صياغة منظومة المرور، بما يحقق تيسير تقديم الخدمات وترشيد وخفض نفقات استخراج التراخيص.
وأوضح اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، أن المواطن لن يتعامل ماليًا إلا مع شباك واحد ولمرة واحدة، بينما تتم باقي مراحل الترخيص دون أي تعامل مالي.
ويمثل هذا النظام نقلة في طريقة تقديم الخدمة، من خلال جمع التعامل المالي في نقطة واحدة، مع استمرار باقي الإجراءات بصورة أكثر تنظيمًا وتيسيرًا.
رسوم معلنة وتحصل إلكترونيًا
وضمن الإجراءات الجديدة، سيتم إعلان قيمة الخدمة على اللوحات الإرشادية داخل وحدات المرور، وفقًا لنوع الرخصة المطلوب إصدارها أو تجديدها.
كما يتم سداد الرسوم من خلال منظومة التحصيل الإلكتروني، بما يتيح للمواطن معرفة قيمة الخدمة المطلوبة وسدادها من خلال نقطة التحصيل المحددة.
وأكدت وزارة الداخلية أن المواطن لن يُطلب منه دفع أي مبالغ مالية أخرى خلال مراحل الترخيص، باستثناء المخالفات المرورية الصادرة عن نيابة المرور، وبذلك تصبح تكلفة الخدمة محددة وواضحة، ويصبح التعامل المالي أكثر تنظيمًا، بما يتوافق مع توجه الدولة نحو التوسع في التحول الرقمي وتطوير آليات تحصيل الخدمات الحكومية.
خفض فعلي في تكاليف إصدار وتجديد التراخيص
وتتضمن المنظومة الجديدة خفضًا في قيم رسوم إصدار وتجديد التراخيص، بما يترجم التوجيه الرئاسي بترشيد تكاليف تراخيص السيارات إلى إجراء مباشر يستفيد منه المواطن.
ولا يرتبط خفض التكلفة بقيمة الرسوم فقط، وإنما يمتد إلى تقليل المتطلبات والإجراءات المرتبطة بإتمام عملية الترخيص، بما يخفف الأعباء المالية والإجرائية في الوقت نفسه.
ويأتي ذلك في إطار رؤية وزارة الداخلية التي تستهدف تقديم الخدمات بصورة أكثر كفاءة، مع مراعاة البعد الخدمي والاجتماعي في التعامل مع المواطنين.
إلغاء تقديم طفاية الحريق وحقيبة الإسعافات والمثلث العاكس
ومن أبرز الإجراءات الجديدة، إلغاء شرط تقديم معدات السلامة والطوارئ ضمن إجراءات إصدار أو تجديد التراخيص، والتي تشمل طفاية الحريق، وحقيبة الإسعافات، والمثلث العاكس للضوء.
ويمثل إلغاء هذا الشرط تخفيفًا مباشرًا للمتطلبات المرتبطة بإجراءات الترخيص، ويجعل عملية إصدار وتجديد الرخص أكثر بساطة وأقل كلفة بالنسبة للمواطن.
ويأتي ذلك ضمن حزمة الإجراءات التي تستهدف إعادة تنظيم منظومة الترخيص، والتركيز على جوهر الخدمة وإتمامها بأقل قدر ممكن من الخطوات والمتطلبات.
رؤية متكاملة لإعادة صياغة منظومة المرور
والمنظومة الجديدة ليست إجراءً منفردًا، وإنما تأتي ضمن رؤية متكاملة أعدتها وزارة الداخلية لإعادة صياغة منظومة المرور؛ حيث أوضح وزير الداخلية خلال الاجتماع أن الوزارة انتهت من وضع رؤية تستهدف تيسير تقديم الخدمات وترشيد وخفض نفقات استخراج التراخيص، بما يحقق مزيدًا من التيسير للمواطنين.
وتقوم الرؤية على تبسيط إجراءات الحصول على الخدمة، وتقليل التعاملات المالية، والتوسع في التحصيل الإلكتروني، وتوضيح قيمة الرسوم، إلى جانب تحسين مستوى التعامل داخل وحدات المرور، ليجمع النظام الجديد بين التطوير الإداري والتحول الرقمي والبعد الخدمي في منظومة واحدة.
سرعة الاستجابة للتوجيه الرئاسي
ويبرز في هذا الملف عنصر السرعة في الانتقال من التوجيه إلى التنفيذ، فخلال اجتماع الثلاثاء، صدر التوجيه الرئاسي بترشيد تكاليف تراخيص السيارات وتحسين الخدمات وحسن معاملة المواطنين، وفي اليوم التالي أعلنت وزارة الداخلية تفاصيل المنظومة الجديدة وموعد بدء تشغيلها التجريبي.
وتبدأ الإجراءات الجديدة اعتبارًا من الخميس الأول من أكتوبر في جميع وحدات المرور، بما يعكس سرعة التعامل مع التوجيهات المرتبطة بالخدمات الجماهيرية وتحويلها إلى إجراءات تنفيذية يستفيد منها المواطن بصورة مباشرة.
الخدمة الحكومية بلغة أبسط
وجوهر التغيير في المنظومة الجديدة يتمثل في جعل الخدمة أكثر وضوحًا للمواطن، فبدلًا من تعدد نقاط التعامل المالي، يصبح هناك شباك واحد، وبدلًا من تعدد المدفوعات، يتم السداد مرة واحدة، وبدلًا من التعامل النقدي، يتم الاعتماد على التحصيل الإلكتروني، وبدلًا من تعدد المتطلبات، تم إلغاء تقديم عدد من معدات السلامة والطوارئ ضمن إجراءات الترخيص .. وهكذا تتجه المنظومة إلى تبسيط رحلة المواطن من بداية طلب الخدمة وحتى إتمامها.
تحسين الخدمة جزء من بناء الثقة
ولم يركز توجيه الرئيس على الجانب المالي فقط، وإنما جمع بين ترشيد تكاليف التراخيص وتحسين الخدمات وحسن معاملة المواطنين، وهذا يعكس أهمية العنصر الخدمي في علاقة المواطن بمؤسسات الدولة، خاصة في الملفات التي يتعامل معها بصورة متكررة.
فكلما أصبحت الإجراءات أكثر وضوحًا، والتكلفة أكثر تحديدًا، والتعامل أكثر تنظيمًا، أصبحت الخدمة الحكومية أقرب إلى احتياجات المواطن وأكثر قدرة على توفير الوقت والجهد.
ومن هنا تأتي منظومة المرور الجديدة كجزء من عملية تطوير أوسع للخدمات المقدمة للمواطنين، تقوم على التيسير والتحول الرقمي ورفع كفاءة الأداء.
قرار يضع المواطن في قلب تطوير الخدمة
وفي النهاية، فإن أهمية المنظومة الجديدة لا تكمن فقط في خفض قيمة رسوم الترخيص أو إلغاء بعض المتطلبات، وإنما في إعادة تنظيم تجربة المواطن داخل وحدة المرور بالكامل.
من لحظة دخوله لإنهاء معاملته، سيكون أمامه مسار أكثر وضوحًا: خدمة معلنة القيمة، شباك واحد للتعامل المالي، سداد إلكتروني، ثم استكمال الإجراءات دون تعاملات مالية أخرى، وهو ما يعكس فلسفة واضحة في تطوير الخدمات الحكومية تقوم على تقليل الإجراءات، وترشيد التكلفة، والاستفادة من التحول الرقمي، وتحسين طريقة التعامل مع المواطنين.