بين إنقاذ حياة المرضى والحفاظ على حرمة جسد الإنسان، عاد ملف التبرع بالأعضاء إلى واجهة النقاش، خاصة مع طرح فكرة الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام بعد تنفيذ العقوبة، وهو ما أثار تساؤلات دينية وقانونية حول مدى مشروعية هذا الأمر والضوابط التي يمكن أن تحكمه.
وتناول الدكتور عبد العزيز النجار، أحد علماء الأزهر الشريف، قضية التبرع بالأعضاء من المتوفين، ثم فرّق بينها وبين مسألة الحصول على أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام، بينما أوضح الدكتور إيهاب رمزي، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب سابقًا، الجانب القانوني للمقترح وإمكانية وضع إطار تشريعي ينظم التبرع بالأعضاء.
خلاف فقهي حول التبرع بالأعضاء بعد الوفاة
أكد الدكتور عبد العزيز النجار أن قضية التبرع بالأعضاء من الأشخاص بعد الموت محل خلاف بين العلماء، مشيرًا إلى أن هذه القضية تختلف عن مسألة التبرع بالأعضاء من الأشخاص الذين يتم الحكم عليهم بالإعدام.

واستدل النجار على وجود الخلاف بين العلماء بالإشارة إلى أن الإمام الأكبر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الشريف، كان قد أوصى قبل وفاته بالتبرع بالقرنية.
ولفت إلى أن الدكتور محمد سيد طنطاوي توفي أثناء مشاركته في حفل توزيع جوائز الملك فيصل العالمية بالرياض، ودُفن بالبقيع الشريف في المدينة المنورة، مشيرًا إلى أنه لم يتم الحصول على القرنية رغم توصيته بالتبرع بها.
وأشار النجار خلال حواره ببرنامج «علامة استفهام»، تقديم الإعلامي مصعب العباسي، إلى أن قدرة الله فوق كل شيء، موضحًا أن هناك علماء أجازوا نقل الأعضاء من الحي إلى الحي، بينما رفض آخرون هذا الأمر.
رفض الحصول على أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام
وفيما يتعلق بالمحكوم عليهم بالإعدام، أكد عبد العزيز النجار أن الحديث عن التبرع بأعضائهم لن يحدث، من وجهة نظره، إلا من خلال قانون، وأن إصدار هذا القانون يتطلب موافقة الأزهر الشريف ممثلًا في هيئة كبار العلماء.
وأضاف أن المحكوم عليه بالإعدام، وفقًا لرأيه ورأي العلماء الذين تحدثوا في هذه المسألة، يكون فاقدًا للأهلية، ولا يملك جسده حتى يتبرع بأجزاء منه.
وأشار إلى أن بعض الدول تقوم بأخذ أعضاء من المحكوم عليهم، وتعتبر هذا الإجراء جزءًا من تنفيذ حكم الإعدام، محذرًا من التعامل مع أعضاء الإنسان باعتبارها «قطع غيار».
واستشهد النجار بقول الله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا».
وأكد أن جسم الإنسان وأعضاءه ليست ملكًا له، بحسب ما طرحه في حديثه، داعيًا إلى عدم تقديم مقترحات لا تتماشى مع الدين.
وتطرق عبد العزيز النجار إلى الجانب الإنساني من قضية التبرع بالأعضاء، موضحًا أن حصول شخص على عضو من متبرع لا يعني بالضرورة أن عمره سيزيد عن المدة التي كتبها الله له.
وأوضح أن الهدف من التبرع، وفقًا لما ذكره، هو أن يعيش المريض دون تعب أو ألم، مشيرًا إلى أن بعض المرضى يحصلون على أعضاء من أقاربهم، ثم لا يعيشون لفترة طويلة، لأن لكل إنسان عمرًا محددًا.
واستشهد بقوله تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ».
وأكد أن من يتبرع لأخيه بعضو من جسده يكون هدفه، وفقًا لتصريحاته، مساعدة المريض على الحياة دون ألم، وليس إطالة العمر.
المقترح يحتاج إلى تعديل تشريعي
من جانبه، أكد الدكتور إيهاب رمزي، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب سابقًا، أن مقترح التبرع بالأعضاء من جانب المحكوم عليهم يحتاج إلى تعديل تشريعي، إلى جانب تعديل في قانون العقوبات.
وأوضح أن المحكوم عليه بالإعدام يكون، وفقًا لما ذكره، شخصًا ناقص الأهلية، مشيرًا إلى أن أي شخص ينفذ عقوبة سالبة للحرية يكون ناقص الأهلية، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على توصية منه بالتبرع بأعضائه.
وأضاف أن القانون، بحسب تصريحه، لا يسمح بأخذ أعضاء المحكوم عليه بالإعدام أو أي شخص ينفذ عقوبة للتبرع بها لأحد أقاربه أو لأي شخص آخر، سواء كان معروفًا له أو غريبًا عنه.
التبرع من الشخص الحر
وفي المقابل، أوضح إيهاب رمزي أن التبرع بالأعضاء من شخص حر لا يمثل المشكلة ذاتها، مشيرًا إلى أن التبرع يمكن أن يكون بأعضاء أو أجزاء من أعضاء لا تؤثر على حياة المتبرع، مثل القرنية أو جزء من الكبد أو جزء من الرئة أو الكلية.
وأشار إلى أن الشخص وهو بكامل حريته يمكنه، وفقًا لما طرحه، التبرع بعضو أو جزء من جسمه، كما يمكن تسجيل رغبته في التبرع من خلال وصية موثقة.
دعوة لوضع قانون منظم للتبرع بالأعضاء
وأوضح رمزي أن هناك إمكانية لتوثيق الوصية المتعلقة ببعض أعضاء الجسم في الشهر العقاري، مشيرًا إلى أن تنظيم هذا الأمر يحتاج إلى تعديل تشريعي، وأنه يمكن لأي نائب التقدم بمقترح في هذا الشأن.
وأكد أن وضع قانون ينظم التبرع بالأعضاء من شأنه، بحسب رأيه، خدمة المجتمع والبشرية، مطالبًا بوضع إطار قانوني واضح لهذا الأمر، باعتبار أن التبرع يمكن أن يمثل عملًا خيريًا يقدمه الإنسان قبل وفاته.
ويكشف الجدل حول التبرع بالأعضاء من المحكوم عليهم بالإعدام عن تداخل عدة اعتبارات، من بينها الضوابط الشرعية، والأهلية القانونية، وحرمة جسد الإنسان، إلى جانب الحاجة إلى تنظيم عمليات التبرع بما يضمن وضوح الإجراءات وحماية جميع الأطراف.
وبينما يطرح الجانب القانوني إمكانية تنظيم التبرع من الأشخاص الأحرار من خلال إطار تشريعي واضح، يؤكد عبد العزيز النجار ضرورة التمييز بين التبرع بعد الوفاة وبين الحصول على أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام، مع التأكيد على أن أي تنظيم تشريعي لهذه المسألة يحتاج إلى ضوابط محددة تحسم الجوانب الدينية والقانونية والإنسانية.
