قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أيمن فرج يكتب: من الأمن الغذائي إلى مرونة الاقتصاد المصري.. رؤية متكاملة للتنمية

د. أيمن فرج
د. أيمن فرج

خلال حضوري جلسة الأمن الغذائي والمائي في اليوم الثالث من منتدى مصر 2026، بدا لي أن القضية تتجاوز استصلاح الأراضي وتأمين مخزونات السلع وتنمية الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، لتطرح سؤالًا اقتصاديًا أعمق: كيف يمكن تحويل الأمن الغذائي من ضرورة لتلبية الاحتياجات الأساسية إلى ركيزة لتعزيز مرونة الاقتصاد المصري في مواجهة الصدمات الخارجية؟

وتعنى المرونة الاقتصادية قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، كارتفاع أسعار السلع العالمية أو اضطراب الإمدادات، والحفاظ على استقرار الأسواق والنمو، ثم التعافي منها بأقل كلفة ممكنة. وفي ملف الغذاء، يمكن تتبعها عبر مؤشرات أساسية: مدة تغطية الاحتياطيات الاستراتيجية، ونسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الرئيسية، وتنوع مصادر الاستيراد، وسرعة انتقال تقلبات الأسعار العالمية إلى الأسواق المحلية

وتتزايد أهمية هذا المنظور في ظل تقلبات أسعار الحبوب والزيوت والطاقة والأسمدة، التي لا ترفع فاتورة الاستيراد والطلب على النقد الأجنبي فحسب، بل تزيد تكاليف الإنتاج والنقل وتضغط على الأسعار والقدرة الشرائية. ومن هنا، تبرز أهمية تكامل الإنتاج المحلي والاحتياطيات الاستراتيجية وكفاءة استخدام المياه وتطوير سلاسل الإمداد، ليس فقط لتأمين الاحتياجات الراهنة، بل أيضًا للحد من التعرض للصدمات الخارجية وتعزيز استدامة التنمية.

الاحتياطيات والإنتاج المحلي: تكامل يعزز المرونة

لا تبدأ مواجهة الأزمات الغذائية عند اضطراب الأسواق، بل بالاستعداد المسبق لها. وتبرز هنا أهمية الاحتياطيات الاستراتيجية التي أشار إليها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بكفاية تصل إلى ستة أشهر، بما يمنح الدولة هامشًا لإدارة الإمدادات واحتواء تقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل التوريد.

لكن كفاءة المخزون لا تتحدد بحجمه وحده، بل بمدى ملاءمته لاحتياجات كل سلعة ومخاطر انقطاع إمداداتها، مقارنة بتكاليف التمويل والتخزين واحتياجات النقد الأجنبي. ويشمل ذلك السلع الأساسية، كالقمح والزيوت، ومدخلات الإنتاج الزراعي.

وتتعزز فاعلية الاحتياطيات حين تتكامل مع رفع الإنتاجية الزراعية وتحسين استخدام المياه وتطوير التخزين والتصنيع والنقل. فالمخزون يوفر هامشًا زمنيًا لاحتواء اضطرابات الإمداد، بينما يسهم الإنتاج المحلي وكفاءة سلاسل التوريد في تقليل التعرض للصدمات على المدى الأطول، والحد من انتقال آثارها إلى الأسواق المحلية.

التوسع الزراعي.. من زيادة الإنتاج إلى بناء محرك للنمو

تعكس جهود الدولة في التوسع الزراعي واستصلاح الأراضي منذ عام 2014، وفي مقدمتها مشروع الدلتا الجديدة، توجهًا استراتيجيًا نحو توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على تلبية احتياجاته الغذائية. وفي هذا السياق، أكد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد الدولة لاستصلاح عشرة ملايين فدان حال توافر الموارد المائية اللازمة.

ولا تتحدد القيمة الاقتصادية لهذه المشروعات بحجم المساحات المزروعة وحده، بل بقدرتها على تحفيز أنشطة مترابطة تشمل التصنيع الغذائي والتعبئة والتخزين والنقل والتسويق والتصدير. ويساعد هذا التكامل على توسيع فرص العمل وزيادة القيمة المضافة المحلية وتعظيم العائد من الاستثمارات، إلى جانب دعم توافر الغذاء.

الأمن المائي.. أساس لاستدامة الإنتاج

يمثل الأمن المائي في مصر القيد الحاكم على أي توسع زراعي أو صناعي مستدام؛ فالمشكلة لا تكمن في حجم الموارد المتاحة فحسب، بل في كفاءة نقلها وتوزيعها واستخدامها. وفي هذا الإطار، تكتسب جهود تطوير ترع الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، بتكلفة تقارب مليار جنيه، أهمية تتجاوز التأهيل الهندسي إلى تحسين كفاءة نقل المياه وتوزيعها وموثوقية وصولها إلى المنتفعين. ويتعزز هذا التوجه بتوظيف القياس اللحظي والذكاء الاصطناعي والتوأمة الرقمية لرصد الفاقد وتقدير الاحتياجات ودعم قرارات التوزيع، بما يرفع كفاءة إدارة المورد في ظل محدودية المياه وتقلبات المناخ.

وتكمن أهمية حصر ورقمنة 22 ألف مسقى بطول إجمالي يقارب 17 ألف كيلومتر في أنها تنقل الإدارة من المستوى الكلي إلى مستوى التشغيل الفعلي؛ فالمسقى هو الحلقة التي يتحدد عندها إنصاف التوزيع وكفاءة الاستخدام وحجم الفاقد. كما أن تشكيل  6,400 رابطة لمستخدمي المياه يعزز الإدارة التشاركية، ويخفض كلفة الرقابة، ويجعل المزارع شريكًا في ضبط الاستهلاك والحفاظ على الشبكات، وهو شرط عملي لاستدامة أي إصلاح مؤسسي في قطاع المياه.

أما إضافة 4.8 مليار متر مكعب سنويًا من المياه المعالجة، فتمثل توسعًا في الموارد المتاحة، تتوقف جدواه على جودة المعالجة وملاءمتها للاستخدام وتكاليف النقل والضخ. كما تتطلب الاستفادة المستدامة منها ترشيد الاستخدام ومراعاة الاحتياجات الزراعية والاقتصادية عند اختيار المحاصيل. وبالتوازي، تسهم مشروعات الحماية من السيول والشواطئ في الحد من مخاطر قد تلحق خسائر بالأراضي الزراعية والمنشآت والبنية التحتية. ويظل الهدف هو تعظيم العائد الاقتصادي من كل وحدة مياه، لا مجرد زيادة الكميات المستخدمة.

البروتين المحلي.. ركيزة لتقليل الفجوة الاستيرادية

يمتد الأمن الغذائي إلى توفير مصادر البروتين بأسعار مناسبة، بما يدعم المعروض المحلي ويحد من التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، تمثل جهود تحسين سلالات الثروة الحيوانية ورفع إنتاجية المزارع السمكية واستعادة كفاءة البحيرات المصرية استثمارًا في الأصول الإنتاجية وفرص العمل بالمجتمعات المحيطة. وقد أشار السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ما تعرضت له بحيرات، مثل بحيرة البردويل والمنزلة وناصر، من تعديات وإهمال على مدار عقود، وما ترتب على ذلك من تراجع في إنتاجيتها، الأمر الذي استدعى تدخلات تستهدف استعادة دور هذه البحيرات في دعم الإنتاج السمكي.

وفي هذا الإطار، يبرز دور جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في الملفات المسندة إليه، ضمن جهود تطوير إدارة البحيرات وتعظيم الاستفادة منها، ومعالجة التحديات البيئية والإنتاجية التي تواجهها. ولا تقتصر أهمية هذه الجهود على زيادة المعروض من الأسماك، بل تمتد إلى دعم الأنشطة الاقتصادية وفرص العمل في المحافظات المحيطة، وتعزيز استفادة المجتمعات المحلية من مواردها.

الدعم الاجتماعي.. كفاءة الإنفاق وحماية القدرة الشرائية

لا تكتمل منظومة الأمن الغذائي دون حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر احتياجًا؛ فارتفاع أسعار الغذاء يمثل صدمة توزيعية تؤثر في الأسر محدودة الدخل بدرجة أكبر، نظرًا لارتفاع نصيب الغذاء في إنفاقها. ومن ثم، يسهم الدعم الاجتماعي الفعال في امتصاص آثار تقلبات الأسعار، والحفاظ على الاستهلاك الأساسي، وتقليل الأثر المتراكم للصدمات على مستوى المعيشة.

وتزداد فعالية هذه المنظومة مع تحسين دقة الاستهداف وتوظيف البيانات والتحويلات الرقمية، بما يضمن وصول الموارد إلى مستحقيها ورفع العائد الاجتماعي للإنفاق العام. كما تعزز الشفافية والحوكمة ثقة المواطنين في عدالة التوزيع، وتسهم في متابعة أثر البرامج وتطويرها بما يواكب تغير الأسعار والاحتياجات.

وبذلك يحقق الدعم الاجتماعي توازنًا بين حماية القدرة الشرائية وكفاءة استخدام الموارد العامة؛ إذ يدعم الاستقرار الاجتماعي، ويخفف أثر تقلبات الأسواق الخارجية، ويعزز بيئة أكثر استقرارًا للنمو والتنمية.

الأمن الغذائي.. استثمار في المرونة الاقتصادية

يكشف المسار الذي تتبعه مصر في ملفي الأمن الغذائي والمائي أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية زراعية أو استهلاكية، بل أصبح أحد روافد المرونة الاقتصادية الخارجية. فتأمين السلع الأساسية وتعزيز الإنتاج المحلي وتطوير سلاسل الإمداد تسهم في الحد من التعرض لتقلبات الأسواق العالمية وضغوط فاتورة الاستيراد والنقد الأجنبي.

ولا تتحدد قيمة هذه الجهود بحجم الاستثمارات أو المساحات المستصلحة والمخزونات وحدها، بل بمدى تكاملها وفاعليتها؛ فالاحتياطيات الاستراتيجية تتيح وقتًا لإدارة اضطرابات الإمداد، بينما يدعم الإنتاج المحلي والتصنيع القيمة المضافة، وتسهم كفاءة استخدام المياه في استدامة الإنتاج الزراعي، ويساعد الدعم الاجتماعي الموجَّه على حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار.

ويبقى التحدي في الموازنة بين التوسع الإنتاجي وحدود الموارد، وفي مقدمتها المياه والمالية العامة. ويتطلب ذلك تعظيم العائد من كل وحدة مياه، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق، بحيث لا يقتصر النجاح على تأمين الاحتياجات الراهنة، بل يمتد إلى تحقيق عائد تنموي مستدام يعزز مرونة الاقتصاد المصري على المدى الطويل.