كنت أظن، كما يظن ملايين غيري، أنني أعرف إحسان عبد القدوس. فقد نشأت، شأني شأن أجيال كاملة، على أفلامه التي تحولت إلى جزء من نسيج الذاكرة المصرية، من «أنا حرة» إلى «لا أنام» إلى «في بيتنا رجل». وكنت أتصور أن هذه المعرفة كافية، وأن الكاتب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لا يحتاج إلى إعادة اكتشاف.
ثم وقع بين يدي كتاب محمد خضير الصادر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ضمن سلسلة «عقول» ، التي أشرف برئاستها، فاكتشفت أنني كنت أعرف الظل لا الجوهر، والقشرة لا اللب، وأن إحسان عبد القدوس، كما يقول العنوان، «أديب الشباب»، أكبر من كل الصور النمطية التي اختزلته في قوالب جاهزة.
جرت العادة، حين يذكر إحسان عبد القدوس، أن يختزل في أوصاف بعينها: كاتب المرأة، أديب الجنس، صحفي المشاغبات، رئيس تحرير «روز اليوسف» الذي دخل السجن. وهذه الأوصاف صحيحة في ظاهرها، لكنها مضللة في جوهرها، لأنها تلتقط ملامح فردية من تجربة أكبر وأعمق من أن تختزل في لقب أو وصف.
ما يغيب عن هذه الصورة المختزلة هو أن إحسان كان، أولًا وأخيرًا، كاتب حرية. والحرية عنده لم تكن شعارًا يرفعه في المناسبات، بل كانت ممارسة يومية في الصحافة والأدب والحياة. وحين نقرأ تاريخه من هذه الزاوية، تتكشف لنا صورة رجل لم يكن يكتب عن الحرية فحسب، بل كان يعيشها، ويدفع ثمنها من حريته وماله وراحته.
«أديب الشباب».. لماذا؟
يطرح عنوان الكتاب سؤالًا مشروعًا لماذا «أديب الشباب» تحديدًا؟ أليس إحسان هو أديب المرأة بامتياز؟ أليس هو كاتب العلاقات العاطفية المعقدة؟
والإجابة، في تقديري، أن كل هذه الأوصاف لا تلتقط الجوهر الصافي النقي لكتابة إحسان عبد القدوس. فالخيط الرابط بين أعماله جميعًا هو روح الشباب تلك الروح المتوقدة التي تجمع بين التمرد والقلق والبحث عن الذات، تلك اللحظة الإنسانية الفريدة التي يكون فيها الإنسان في أقصى حالات توهجه وارتباكه معًا.
إن إحسان عبد القدوس يكتب عن المرأة الشابة التي تريد أن تتحرر من قيود المجتمع، وعن الطالب الجامعي الذي يتورط في العمل السياسي، وعن الفتاة التي تحاول أن تفهم جسدها وعواطفها في مجتمع يحرم السؤال. إنه يكتب، في المحصلة، عن لحظة الشباب التي هي أصدق لحظات الإنسان وأكثرها هشاشة وقوة في آن واحد.
وهذا هو السر في أن أجيالًا متعاقبة من القراء، بعد رحيله بعشرات السنين، ما زالت تجد في رواياته شيئًا يخصها، وكأنه يكتب عنها هي، لا عن شخصيات ورقية من زمن مضى.
تداخل لا انفصال
من أجمل ما يلفت إليه كتاب محمد خضير الصحفي ببوابة روزاليوسف ، تلك العلاقة الجدلية بين الصحافة والأدب في تجربة إحسان عبد القدوس. فلم يكن إحسان روائيًا يكتب الصحافة على سبيل الرزق، ولا صحفيًا يكتب الرواية على سبيل التسلية، بل كان الاثنان متداخلين في نسيج واحد، يغذي أحدهما الآخر.
الصحافة أعطته الجرأة، وأدبته على اللغة الواضحة المباشرة، وعلمته أن يمسك بالقارئ من أول سطر. والأدب أعطاه العمق، وعلمه أن يرى ما وراء الخبر، وأن يبحث عن الإنسان في قلب الحدث. وهذا التداخل يفسر لنا سر خلود كتاباته. فعندما نقرأ مقالاته الصحفية، نحس فيها بنَفَس الروائي الذي يعرف كيف يرسم شخصية بكلمات قليلة. وعندما نقرأ رواياته، نحس فيها بلمسة الصحفي الذي يعرف أن الكلمة سلاح، وأن القارئ لا يحتمل الثرثرة.
السينما وصناعة الذاكرة
لا يمكن الحديث عن إحسان عبد القدوس دون التوقف أمام علاقته بالسينما، تلك العلاقة التي جعلت منه واحدًا من أكثر الكتاب حضورًا على الشاشة في تاريخ السينما المصرية والعربية. ولكن المهم هنا ليس عدد الأفلام التي تحولت إليها أعماله، بل تأثيرها الذي تجاوز حدود الشاشة إلى الوجدان الشعبي. لقد نقلت هذه الأفلام شخصيات إحسان إلى ملايين المشاهدين الذين ربما لم يقرأوا رواية واحدة له، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية المصرية.
وحين نقول «إحسان عبد القدوس» اليوم، فإن أذهاننا تستدعي فورًا وجوه فاتن حمامة ولبنى عبد العزيز ونادية لطفي وعمر الشريف وصلاح ذو الفقار وأحمد مظهر. وهذه هي المعجزة أن يمتزج الأدب بالسينما في ذاكرة الناس إلى درجة يتعذر معها الفصل بينهما.
البوصلة الأولى
لو سئلنا عن قضية إحسان عبد القدوس الأولى، لقلنا دون تردد هي الحرية!.
لقد كانت الحرية هي البوصلة التي وجهت حياته كلها. في الصحافة، قاد «روز اليوسف» وجعلها منبرًا للمعارضة الجريئة، ودفع ثمن مواقفه بالسجن، وأصبح اسمه مرادفًا للصحفي الذي لا يعرف الخوف. وفي الأدب، كتب عن الحرية بكل أبعادها: حرية المرأة في اختيار حياتها، وحرية الشاب في التعبير عن رأيه، وحرية الإنسان في أن يكون مختلفًا. وفي السياسة، كان صوته عاليًا في الدفاع عن الديمقراطية والحقوق والحريات العامة، رغم كل الضغوط والتهديدات.
وما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذه الروح، في وقت تراجع فيه كثير من الصحفيين عن دورهم، وتحولوا من أصحاب أقلام إلى ناقلي تصريحات، ومن حراس للحقيقة إلى موظفين في مكاتب العلاقات العامة.
ماذا يضيف كتاب محمد خضير؟
قد يتساءل القارئ العربي الآن ، وما الجديد في كتاب عن إحسان عبد القدوس، وقد كتبت عنه مئات المقالات والدراسات؟
الجديد هو الزاوية التي اختارها المؤلف. فهو لم يكتب سيرة تقليدية، ولم يقدم قراءة أكاديمية جافة، بل حاول أن يقترب من إحسان من داخله، بوصفه صحفيًا من «روز اليوسف» نفسها، التي كانت إحدى أهم محطات إحسان الصحفية. وهذا القرب من المكان والذاكرة يمنح الكتاب خصوصية واضحة، إذ يكتب خضير عن إحسان وكأنه يستعيد جزءًا من تاريخه المهني هو، لا مجرد موضوع بحث خارجي. كما أن الكتاب يتوقف عند عدد من أبرز أعمال إحسان الروائية والقصصية، محاولًا أن يكشف كيف انتقلت هذه الأعمال من صفحات الروايات إلى الشاشة، وكيف تحولت شخصياتها إلى كائنات حية في الوجدان الشعبي.
في عصر سائل كثر فيه الكتاب الذين لا يشبهون كلماتهم، يظل إحسان عبد القدوس استثناء مضيئًا. لقد كان إنسانا يشبه ما يكتب، أو لعله كان يكتب ما يشبهه. كانت حياته امتدادًا لأدبه، وأدبه انعكاسًا لحياته. لم يعرف الانفصام بين القول والفعل، ولا بين المبدأ والممارسة. وعندما نقرأ اليوم كتابًا جديدًا عنه، فليس لأننا نريد أن نضيف إلى مكتبة الدراسات الأدبية كتابًا آخر، بل لأننا نريد أن نستعيد أنفسنا من خلاله. نريد أن نتذكر أن الصحافة كانت يومًا مهنة الأحرار، وأن الأدب كان يومًا ساحة للمواجهة، وأن الثقافة كانت يومًا قادرة على تغيير المجتمع.
رحل إحسان عبد القدوس، لكن روحه باقية في كلماته، وكلماته باقية في وجداننا، ووجداننا ما زال يبحث عمن يشبهه. وهذا هو التكريم الأبقي، أن يظل الكاتب حاضرًا رغم غيابه، مؤثرًا رغم رحيله، شابًا رغم مرور السنوات.