قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، نتعلم من القرآن الكريم معنى معية الله لعباده؛ تلك الحقيقة التي إذا استقرت في القلب غيَّرت علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالخلق من حوله، وفي الحديث القدسي: «وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»؛ فذكر الله يورث القلب حضورًا، والحضور يورث طمأنينة، والطمأنينة تقود إلى الاستقامة.
مراتب معية الله
وأضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن القرآن الكريم دلنا على مراتب من معية الله، أولها: المعيَّة العامة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4].
فإذا استحضر الإنسان هذه المعيَّة، أورثته قلبًا ضارعًا لله، مراقبًا له، مستحييًا منه؛ فيسهل عليه أن يعمل بوصية سيدنا رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
فهذه الوصية جمعت علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبالخلق.
فعلاقته بربه أساسها: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ»؛ لأنه يعلم أن الله يراه، ويسمعه، ويعلم سره وعلانيته.
وعلاقته بنفسه دواؤها: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا»؛ فالمؤمن لا يصر على خطئه، ولا ييأس من رحمة ربه، بل يرجع ويتوب ويجدد الطريق.
وعلاقته بالخلق ميزانها: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»؛ لأن استحضار معية الله لا يجعل الإيمان قسوةً على الناس، بل يجعله رحمةً وعدلًا وحسن معاملة.
ثم هناك المعيَّة الخاصة؛ وهي معية الرضا والتوفيق والتأييد والرعاية، وقد جعلها الله لأهل الإيمان والتقوى والصبر والإحسان.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
وتأملوا هذه الصياغات القرآنية: إن الله مع الصابرين، ومع المتقين، ومع المؤمنين، ومع المحسنين؛ فقد نسب سبحانه المعية إليهم تكرمًا منه وفضلًا، وفي ذلك إشارة إلى علو المنزلة ورفعة الدرجة.
وكيف يدخل الإنسان في هذه المعية؟
يدخلها بذكر الله، وتصحيح الإيمان، وطلب اليقين، والتخلق بالصبر، وبلوغ مقام الإحسان.
قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].
وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
فالذكر باب عظيم إلى مراتب الإيمان والتقوى والصبر والإحسان. والإيمان تصديق بالقلب، وتظهر آثاره في العمل والسلوك، واليقين نور يذهب الريب والشك، والصبر ثبات جميل.
قال سيدنا يعقوب عليه السلام: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].
وأما الإحسان، فقد بيَّنه النبي ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
وهناك مرتبة أخص من المعية، يظهر فيها معنى النصرة والتأييد والسكينة ظهورًا خاصًّا.
ومن ذلك ما قاله سيدنا رسول الله ﷺ لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
فكان أثر هذه المعية ذهاب الحزن، ونزول السكينة، والنصرة والتأييد والنجاة: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40].
ومنها ما قاله الله تعالى لسيدنا موسى وسيدنا هارون عليهما السلام: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46].
فالمعية هنا أذهبت الخوف، وثبتت الفؤاد، وأنزلت التأييد.
وهكذا إذا استحضر الإنسان معية الله حضرت السكينة، وإذا حضرت السكينة خف الحزن والخوف، وثبت القلب على الطريق.
فمعية الله ليست معنى نظريًّا، بل منهاج حياة: معية عامة تورث المراقبة، ومعية خاصة تورث الرضا والاستقامة، ومعية أخص يظهر فيها معنى السكينة والنصرة والتأييد.
فتدبروا هذه المعية في كتاب الله، واجعلوها طريقًا للحياة: اذكروا الله كثيرًا، وراقبوه في السر والعلن، واتقوه حيثما كنتم، وأحسنوا إلى الخلق، واصبروا، وأيقنوا، وأحسنوا؛ فمن استقام على أمر الله نال معيته وتوفيقه وتأييده.
مَنْ اسْتَحْضَرَ مَعِيَّةَ اللهِ، سَكَنَ قَلْبُهُ، وَاسْتَقَامَتْ حَيَاتُهُ، وَصَارَ ذِكْرُهُ طَرِيقًا إِلَى الرِّضَا وَالسَّكِينَةِ وَالتَّأْيِيدِ.

