واصل الدكتور محمد مهنا أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر ورئيس مجلس أمناء البيت المحمدي للتصوف شرحه لـ "الحكم العطائية" في درسه الأسبوعي الذي يلقيه بمسجد الإمام ابن عطاء الله السكندري من كتاب “إيقاظ الهمم في شرح الحكم”، حيث ألقى الضوء على العوائق التي تحول بين العبد وبين تنزل الفتوح والأنوار والعلوم والمعارف الإلهية على قلبه، موضحًا أن تمكُّن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال الذي يحرم الإنسان من ذوق حلاوة الطاعة والجمال الإلهي؛ إذ إن الشهوة إذا استقرت في الفؤاد حجبت عنه أنوار الحق.
وأشار إلى أن الخلاص من هذا الداء لا يكون إلا بواحد من أمرين: إما خوفٌ مزعج يزجر النفس عن غيها، أو شوقٌ مقلق يحرك مكامن المحبة في الإنسان ويجعله مشتاقًا إلى قُرْبِ محبوبه ولقائه.
الخوف منزلٌ من منازل السائرين إلى الله
وأكد أن الخوف منزلٌ من منازل السائرين إلى الله تعالى، بينما الشوق هو الباعث الأكبر على المسارعة والارتقاء في معارج القبول.
واستكمل أن القاعدة الإلهية في الأعمال تسري كذلك على القلوب؛ فكما أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل ما كان مشتركًا فيه رياءٌ مع غيره، فكذلك لا يقبل سبحانه (القلب المشترك) الذي يعمر بالهوى ومحبة غير الله.
وأضاف أن أقل شيء من الشغب أو الشواغل الدنيا إذا دخل القلب منع الأنوار الإلهية من الورود، مشيرًا إلى اللطيفة العطائية في التفرقة بين الأنوار:
أنوارٌ أُذِنَ لها بالوصول: وهي أنوار الإيمان التي تطرق القلوب وتصل إليها، وأنوارٌ أُذِنَ لها بالدخول: وهي أنوار الإحسان والمعرفة، ولا تدخل إلا إذا وجدت القلب فارغًا خاويًا مما سوى الله تعالى.
وحذر من أن أنوار الإيمان قد تَرِدُ على العبد، فإذا وجدت القلب مشغولًا بصور الأكوان وشواغل الدنيا عادت من حيث جاءت؛ مستشهدًا بالقول الخالد: "كيف يشرق قلبٌ صورُ الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟!"؛ مشددًا على أن تفريغ القلب مما سوى الله هو الشرط الأساس ليملأه الله بالعلوم والمعارف، وأن حب العبد لأهله وأصدقائه وأخلاطه ينبغي أن يكون لله وفي الله لا للهوى النفسي.
المحافظة على القلب من تمكن الشهوات
وانتقل د. مهنا إلى بيان كيفية المحافظة على القلب من تمكن الشهوات، مؤكدًا أن ذلك يتم عبر "ضبط الأوقات"، لأن الوقت هو عمر الإنسان ورأس ماله الحقيقي في هذه الحياة، ونقل عن أحد الصالحين قوله: "أدركتُ أقوامًا كان حرصهم على أوقاتهم أشد من حرصكم على دنانيركم ودراهمكم".
كما فرّق بين نوعين من الحقوق: حقوقٌ في الأوقات: وهي التكاليف والعبادات التي يمكن قضاؤها إذا فات وقتها.، وحقوقُ الأوقات: وهي التي لا يمكن قضاؤها أبدًا؛ إذ ما من وقتٍ يمر عليك إلا ولله عليك فيه حقٌّ جديد وأمرٌ مؤكد.
واختتم الدرس بالتأكيد على خطورة الأنفاس ودقتها، موجهًا إلى أن كُل نَفَسٍ يخرجه العبد يتضمن قدرًا يُمضيه الله تعالى، ففي نَفَسٍ واحد قد تكون نجاة العبد، وفي نَفَسٍ آخر قد يكون هلاكه -كما يروى عن الإمام الجنيد رحمه الله-k ودعا السالكين إلى لزوم الذكر مع كل نَفَس، ليكون الله معهم بألطافه في سائر أقداره.

