قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: هل تستطيع المرأة أن تحب رجلًا لا تحتاج إليه؟

د. أمل منصور
د. أمل منصور

يعتقد البعض أن المرأة لا تستطيع أن تحب رجلًا لا تحتاج إليه، وأن شعورها بالقوة والاستقلال والقدرة على إدارة حياتها بنفسها قد يجعل وجود الرجل في حياتها أمرًا يمكن الاستغناء عنه. لكن هذا الاعتقاد يخلط بين الاحتياج إلى شخص حتى نستطيع الاستمرار في الحياة، والرغبة في وجوده لأنه يضيف إلى حياتنا معنى لا تستطيع المشاعر المصطنعة أن تمنحه.

فالمرأة التي تستطيع أن تعيش وحدها ليست بالضرورة امرأة لا تحتاج إلى الحب، كما أن الرجل الذي يستطيع تدبير شؤون حياته بنفسه لا يعني أنه لا يحتاج إلى امرأة تشاركه تفاصيله. إن القدرة على الاستغناء عن الآخرين في متطلبات الحياة لا تعني القدرة على الاستغناء عن المشاعر الإنسانية التي تجعل الحياة أكثر دفئًا وعمقًا.

لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل نريد في علاقاتنا العاطفية شخصًا لا نستطيع العيش بدونه، أم شخصًا نستطيع العيش بدونه، لكننا نختار أن نعيش معه؟

هناك فارق نفسي كبير بين الحالتين.

فالاحتياج قد يدفع الإنسان إلى التمسك بعلاقة لا تمنحه السعادة، خوفًا من الوحدة أو من مواجهة الحياة منفردًا. أما الاختيار فيمنح الحب مساحة أكثر صدقًا؛ لأن الإنسان لا يبقى بالضرورة لأنه عاجز عن الرحيل، بل لأنه يرى في وجود الآخر قيمة تستحق البقاء.

والمرأة التي لا تحتاج إلى رجل كي يدير حياتها، أو يتخذ قراراتها، أو يمنحها شعورًا بأنها قادرة على مواجهة العالم، قد تكون أكثر قدرة على اختيار الرجل الذي تريده فعلًا، لا الرجل الذي تفرضه عليها مخاوفها.

لكن هذه الفكرة ليست بسيطة كما تبدو؛ لأن الاستقلال نفسه قد يحمل داخله تجارب عاطفية مختلفة.

فبعض النساء تعلمن الاعتماد على أنفسهن لأنهن امتلكن الثقة والقدرة على تحمل مسؤولية اختياراتهن، وبعضهن وصلن إلى الاستقلال بعد خيبات جعلتهن يخشين الاعتماد على أي إنسان. وفي الحالتين قد تبدو المرأة قوية، لكن دوافع القوة ليست واحدة.

هناك امرأة لا تخشى أن تحب، لأنها تعرف أن الحب لا ينتقص من قدرتها على إدارة حياتها. وهناك امرأة تبدو مكتفية بذاتها، لكنها تخشى أن تفتح قلبها، لأنها تربط الاحتياج العاطفي بالضعف، وتعتقد أن الاعتراف باشتياقها أو تأثرها أو حاجتها إلى الاهتمام قد يمنح الطرف الآخر سلطة عليها.

والفرق بينهما لا يظهر في قوة الشخصية، بل في قدرتها على الاقتراب دون أن تشعر بأنها تفقد نفسها.

فالحب الناضج لا يطلب من المرأة أن تتخلى عن استقلالها كي تثبت أنوثتها، ولا يطلب من الرجل أن يصبح مسؤولًا عن كل تفاصيل حياتها كي يشعر برجولته. إنما يمنح كليهما مساحة ليكون قويًا وضعيفًا، قادرًا ومحتاجًا، دون أن تتحول هذه الحالات الإنسانية إلى صراع على المكانة داخل العلاقة.

وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين الرجل والمرأة: بعض الرجال لا يشعرون بالارتياح أمام امرأة لا تحتاج إليهم بالطريقة التي اعتادوا عليها.

فالرجل الذي نشأ على أن قيمته تتحدد بقدرته على توفير الحماية والحلول وتلبية الاحتياجات قد يشعر بالارتباك عندما يجد امرأة قادرة على فعل ذلك بنفسها. وقد يفسر استقلالها على أنه انتقاص من دوره، أو يظن أنها لا تراه مهمًا في حياتها، حتى لو كانت تحبه بصدق.

لكن المشكلة هنا ليست في استقلال المرأة، ولا في رغبة الرجل في أن يكون له دور مؤثر في حياة من يحب، بل في تعريف كل منهما لهذا الدور.

فأن يحتاج إليك إنسان لا يعني بالضرورة أن يكون عاجزًا دونك، وأن تكون مهمًا في حياته لا يشترط أن تكون الحل الوحيد لمشكلاته.

قد تحتاج المرأة إلى رجل يصغي إليها، لا لأنه يمتلك حلولًا لا تستطيع الوصول إليها، بل لأنها تشعر أن ما يدور داخلها يستحق أن يُسمع. وقد تحتاج إلى رأيه، لا لأنها عاجزة عن اتخاذ القرار، بل لأنها تحترم رؤيته وتثق في قدرته على النظر إلى الأمور من زاوية مختلفة.

وقد تحتاج إلى قربه في لحظة ضعف، لا لأنها فقدت قوتها، بل لأنها لا تريد أن تضطر إلى استخدام قوتها طوال الوقت.

وهذا احتياج عاطفي لا ينتقص من استقلالها، بل يكشف جانبًا إنسانيًا فيها لا ينبغي أن تخجل منه.

وفي المقابل، يحتاج الرجل أحيانًا إلى أن يشعر بأن المرأة تريده، لا لمجرد ما يستطيع تقديمه، بل لما يمثله هو في وجدانها. يريد أن يعرف أن وجوده ليس مجرد إضافة عملية يمكن استبدالها، وأنها لا تختاره لأنه يؤدي دورًا لا يستطيع غيره أداءه، بل لأنها ترى فيه إنسانًا تحبه، وتأنس بروحه، وتجد في قربه شعورًا لا يشبه علاقتها بأي شخص آخر.

فالرجل أيضًا قد يتعب من أن يكون قويًا طوال الوقت، ومن أن يُقاس حضوره بمقدار ما يقدمه. وقد يحتاج إلى امرأة لا تنظر إليه باعتباره شخصًا مطالبًا دائمًا بإثبات قدرته، بل إنسانًا يمكن أن يتحدث عن مخاوفه دون أن يشعر أن صورته قد اهتزت في عينيها.

وعندما تلتقي امرأة لا تخشى إظهار احتياجها العاطفي برجل لا يخشى الاعتراف بإنسانيته، تصبح العلاقة أكثر اتزانًا؛ لأن كليهما يتوقف عن أداء دور القوة المطلقة، ويبدأ في التعامل مع الآخر باعتباره شريكًا، لا منافسًا ولا وسيلة لضمان الأمان.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نخلط بين الاستقلال العاطفي وإنكار الاحتياج. فبعض الناس يبالغون في إعلان أنهم لا يحتاجون إلى أحد، حتى يصبح الاقتراب منهم أمرًا صعبًا، ويجد الطرف الآخر نفسه مطالبًا بإثبات أهميته باستمرار، دون أن يحصل على إشارة واضحة بأنه مرغوب فيه.

الحب ليس اختبارًا لقدرة الإنسان على الاستغناء عن الآخرين، وليس منافسة لإثبات من يستطيع الرحيل بسهولة أكبر. كما أن الاعتراف بالاحتياج لا يعني أن نمنح شخصًا آخر حق التحكم في مشاعرنا أو قراراتنا.

إنما تكمن النضجية العاطفية في أن نعرف ما نستطيع القيام به وحدنا، وما نرغب في مشاركته مع من نحب، وأن ندرك أن استقلالنا لا يلغي حقنا في الحنان، كما أن احتياجنا إلى الحنان لا يسلبنا قوتنا.

فالمرأة لا تحتاج إلى أن تصبح ضعيفة حتى يشعر الرجل بقيمته، والرجل لا يحتاج إلى أن يجعل المرأة عاجزة حتى يشعر بأهميته. كل ما يحتاج إليه الاثنان هو أن يدركا أن القيمة العاطفية لا تُقاس بحجم العجز الذي يملكه أحدهما أمام الآخر، بل بمقدار ما يمنحه كل منهما للعلاقة من صدق واحتواء واحترام.

وربما هنا تكمن الإجابة الأكثر صدقًا عن السؤال: نعم، تستطيع المرأة أن تحب رجلًا لا تحتاج إليه كي تعيش، لكنها قد تحتاج إليه كي تشاركه الحياة بمعناها الأعمق؛ لا لأنه يحمل عنها كل شيء، بل لأنها لا تريد أن تحمل كل شيء وحدها، ولا لأنه يمنحها قيمة لم تكن تملكها، بل لأنها تجد معه مساحة تكون فيها على طبيعتها دون أن تضطر إلى إثبات قوتها أو إخفاء ضعفها.

فأجمل الحب ليس أن يصبح أحدنا عاجزًا عن الحياة دون الآخر، بل أن يمتلك كل منا القدرة على الحياة وحده، ثم يجد في الآخر سببًا صادقًا يجعل المشاركة أجمل من الاكتفاء.