قد لا تقتصر أهمية رائحة السرة على النظافة الشخصية، إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الروائح الكيميائية الصادرة عن الجسم قد تحمل مؤشرات تساعد في التعرف على بعض الأمراض، من بينها مرض باركنسون وعدوى كوفيد-19 والضعف الإدراكي البسيط.
كيف يمكن أن تكشف رائحة السرة عن الأمراض؟
ورغم أن هذه النتائج تفتح المجال أمام تطوير وسائل جديدة للكشف عن الأمراض، فإن الباحثين يؤكدون أن الدراسة لا تزال في مراحلها الأولية، ولا يمكن الاعتماد على رائحة السرة وحدها لتشخيص أي مرض، وفقًا لما نشرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.
وأجرى الباحثون دراسة اعتمدت على تحليل الروائح الكيميائية التي جُمعت باستخدام مسحات من ثلاث مناطق في الجسم، هي فتحات الأنف، والسرة، والجزء الخارجي من الأذن بالقرب من مدخل قناة الأذن.
وجاء اختيار هذه المناطق لاحتمال احتفاظها بمركبات الرائحة الطبيعية للجسم، مع تقليل تأثير العوامل الخارجية، مثل العطور ومزيلات العرق ومستحضرات النظافة.
وشملت الدراسة 12 مشاركًا، بينهم 6 أشخاص يتمتعون بصحة جيدة، و6 آخرون يعانون من حالات شملت مرض باركنسون، وكوفيد-19، والضعف الإدراكي البسيط.
واستخدم الباحثون مسحات استمرت نحو 10 ثوانٍ لكل منطقة، ثم حفظوا العينات في أكياس محكمة الإغلاق عند درجة حرارة 20 درجة مئوية تحت الصفر، قبل تحليلها باستخدام تقنية تعتمد على الليزر تُعرف باسم التحليل الطيفي الضوئي الصوتي.
وأظهرت النتائج أن الأنماط الكيميائية الموجودة في العينات ساعدت الباحثين على التمييز بين المشاركين الأصحاء والمصابين بالحالات التي شملتها الدراسة، وكانت الإشارات الأكثر وضوحًا في العينات المأخوذة من الأنف والسرة.

ما علاقة المركبات العضوية المتطايرة بصحة الإنسان؟
أوضح الدكتور ثورستن جراونكه، الباحث الرئيسي وخبير الإدراك الحسي الرقمي في معهد فراونهوفر للدوائر المتكاملة بألمانيا، أن جسم الإنسان يطلق باستمرار مركبات كيميائية تُعرف باسم المركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، تنتج عن العمليات الطبيعية لعملية التمثيل الغذائي.
وتخرج هذه المركبات إلى البيئة المحيطة من خلال الزفير والعرق وتساقط خلايا الجلد الدقيقة، لتكوّن بصمة كيميائية فريدة تختلف من شخص إلى آخر.
وقد تتغير هذه البصمة مع الإصابة ببعض الأمراض أو العدوى، وهو ما يدفع العلماء إلى دراسة إمكانية الاستفادة منها في الكشف المبكر عن الحالات المرضية.
وتشير هذه الفكرة إلى أن التغيرات الكيميائية المصاحبة للمرض قد تكون قابلة للرصد قبل ظهور بعض الأعراض الواضحة، لكن تحديد مدى دقة هذه الطريقة وموعد قدرتها على الكشف عن الأمراض يتطلب مزيدًا من الدراسات.

لماذا اختار الباحثون مسحات السرة؟
يرى الباحثون أن منطقة السرة قد تكون مناسبة لجمع عينات الروائح الكيميائية؛ لأنها أقل تعرضًا لبعض المؤثرات الخارجية مقارنة بمناطق أخرى من الجسم.
وقال الدكتور جراونكه إن السرة قد تحتفظ بمركبات الرائحة الطبيعية لأن الصابون لا يصل إليها بالقدر نفسه الذي يصل به إلى مناطق أخرى، ما قد يجعل العينات المأخوذة منها مفيدة في الأبحاث المتعلقة بالبصمة الكيميائية للجسم.
من جانبه، أوضح البروفيسور جيمس لوجان، المتخصص في علوم الشم ومؤسس شركة Digital Odour Technologies، أن استخدام الإبطين في دراسات سابقة كان منطقيًا بسبب كثافة الروائح في هذه المنطقة، لكن استخدام مزيلات العرق قد يؤدي إلى تداخل المركبات الكيميائية الموجودة فيها مع الإشارات المرتبطة بالأمراض.
وأضاف أن منطقة البطن قد تكون خيارًا مناسبًا نسبيًا لجمع العينات، لأنها أقل عرضة للتلوث ببعض المواد الخارجية.

هل يمكن تشخيص الأمراض من رائحة السرة في المنزل؟
يعتقد الباحثون أن هذه التقنية قد تساهم مستقبلًا في تطوير أجهزة صغيرة ومحمولة يمكنها تحليل العينات والتعرف على الأنماط الكيميائية المرتبطة ببعض الأمراض.
وأشار الدكتور جراونكه إلى إمكانية استخدام المسحات في المستقبل كوسيلة أولية للفحص، موضحًا أن الفريق يتطلع إلى تطوير جهاز محمول تُوضع فيه المسحات لتحليل المركبات الموجودة بها.
لكنه شدد على أن هذا التصور لا يزال بعيدًا عن التطبيق العملي، وأن الدراسة الحالية مجرد تجربة استطلاعية صغيرة، ويحتاج الفريق إلى إجراء أبحاث على مجموعات أكبر من المشاركين للتحقق من النتائج.
كما أن العينات المأخوذة من المصابين بكوفيد-19 جُمعت ذاتيًا لأسباب تتعلق بمكافحة العدوى، بينما جُمعت عينات بقية المشاركين في غرفة بالمستشفى خالية من الروائح.

كيف تساعد الروائح في الكشف عن الأمراض؟
أوضح البروفيسور جيمس لوجان أن تحليل الروائح قد يتميز عن بعض وسائل الفحص التقليدية، مثل تحليل الدم أو اللعاب، بأنه لا يتطلب إجراءات تدخلية للحصول على العينة.
وأضاف أن الرائحة قد تتغير في مراحل مبكرة من بعض أنواع العدوى، مشيرًا إلى أن الأبحاث المتعلقة بالكلاب المدربة على اكتشاف الأمراض، إلى جانب الأجهزة التي تحلل المركبات العضوية المتطايرة، تدعم الاهتمام بهذا المجال.
وطورت شركة Digital Odour Technologies، التي أسسها لوجان، جهازًا محمولًا لتحليل المركبات الكيميائية في الروائح بهدف المساعدة في الكشف عن أمراض مثل حمى الضنك والملاريا.
وتشمل التطبيقات البحثية الأخرى استخدام كلاب مدربة للتعرف على مؤشرات قد ترتبط بقرب حدوث نوبات لدى بعض المرضى، أو بتغيرات خطيرة في مستويات سكر الدم لدى المصابين بالسكري.
ويرى لوجان أن التطور المستمر في هذا المجال قد يؤدي مستقبلًا إلى ظهور أجهزة صغيرة قادرة على تحليل الروائح والمساعدة في رصد بعض المؤشرات الصحية.

هل رائحة السرة وحدها مؤشر على وجود مرض خطير؟
رغم النتائج الأولية، لا تعني الدراسة أن أي تغير في رائحة السرة يشير إلى الإصابة بمرض باركنسون أو كورونا أو اضطرابات الذاكرة.
فقد تتأثر رائحة السرة بعوامل أخرى، من بينها تراكم العرق وخلايا الجلد والإفرازات، أو نمو البكتيريا والفطريات، خاصة مع عدم تنظيف المنطقة وتجفيفها جيدًا.
وإذا صاحبت الرائحة الكريهة أعراض مثل الاحمرار أو الألم أو الحكة أو الإفرازات، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتحديد السبب والحصول على العلاج المناسب.
كذلك، لا ينبغي استخدام الرائحة أو أي تغير فيها بديلًا عن الفحوص الطبية المعتمدة، أو تأخير طلب الرعاية الصحية عند ظهور أعراض مقلقة.

