قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بلال قنديل يكتب: خيوط العنكبوت

بلال قنديل
بلال قنديل

ليست كل العلاقات التي تبدو قوية قادرة على الصمود، وليست كل الأيدي التي تصافحك مستعدة لانتشالك حين تسقط. فبعض الروابط التي نظنها متينة كالصخر، لا تحتاج إلا إلى أول اختبار حقيقي حتى تتناثر أمام أعيننا، وكأنها لم تكن سوى خيوط عنكبوت نسجنا حولها أوهامنا، وصدقنا أنها جدران تحمينا من قسوة الحياة.

في الأسرة، حيث يفترض أن يكون الدم رابطا لا ينقطع، قد تكتشف أن القرابة وحدها لا تصنع قلوبا رحيمة، وأن سنوات العشرة لا تضمن بقاء المودة. خلاف على مال، أو غيرة من نجاح، أو كلمة قيلت في لحظة غضب، قد تكشف لك أن ما كنت تظنه ترابطا لم يكن سوى تعايش تفرضه الظروف. وقد يجمعك بأقرب الناس سقف واحد، بينما تفصل بين قلوبكم مسافات لا تقطعها سنوات.

وفي الصداقة، تتجلى هشاشة الخيوط بصورة أكثر إيلاما، لأن الصديق هو من نأتمنه على أسرارنا، ونمنحه مساحة من أرواحنا لا نمنحها لكل عابر. ثم تأتي لحظة نجاح، فيظهر الحسد خلف الابتسامة، أو لحظة تعثر، فيختفي من كان يصفك بالأخ الذي لم تلده أمه. عندها تفهم أن بعض الأصدقاء لم يحبوا وجودك بقدر ما أحبوا ما يحصلون عليه منك، وأن العلاقة التي ظننتها متبادلة كانت تسير في اتجاه واحد.

أما العلاقات الاجتماعية، فكثير منها تحكمه المصالح لا المشاعر. تجد من يبالغ في الترحيب بك ما دمت تملك ما يحتاج إليه، ومن يمدحك ما دمت قادرا على خدمته، فإذا تغيرت ظروفك انفض من حولك وكأنك لم تكن يوما جزءا من حياته. فالحقيقة لا تظهر في كثرة من يجلسون بجوارك وقت الرخاء، بل فيمن يبقى حين لا يكون لديك ما تقدمه سوى حاجتك إلى من يفهمك.

والمؤلم أننا كثيرا ما نكتشف ضعف هذه العلاقات بعد أن نمنحها من أعمارنا ما لا يمكن استرداده. نبرر الغياب، ونلتمس الأعذار للجفاء، ونظل نرقع الثقوب حتى تتحول قلوبنا إلى خيوط مستهلكة، بينما الطرف الآخر لا يحاول حتى إنقاذ ما بيننا.

لكن هذا لا يعني أن نشك في الجميع، بل أن نتعلم التمييز بين من يحبنا ومن يحب مصالحه معنا. فلا تجعل طيبة قلبك سببا في استنزافك، ولا تجعل سنوات العلاقة سجنا يمنعك من رؤية حقيقتها.

فليست كل علاقة تستحق الإنقاذ، وليست كل قطيعة خسارة. أحيانا لا نفقد أشخاصا كانوا سندا لنا، بل نفقد أوهاما كنا نتكئ عليها. وتذكر دائما أن بعض العلاقات، مهما بدت متينة ومتشابكة، ليست سوى خيوط عنكبوت، لا تصمد أمام أول ريح تكشف حقيقتها.