في خضم الزلزال الجيوسياسي الذي يعيد تشكيل خريطة العالم تتساقط الأقنعة وتظهر حقيقة واحدة هي أن التاريخ لا يذكر إلا من تجرأ وقال لا في وجه من باعوا استقلالهم بثمن بخس وقالوا نعم من هزيمة فيكتور أوربان في المجر إلى الانتصار المدوي للزعيم لولا دي سيلفا في البرازيل كصوت رافض لوصاية ترامب فانتصار دي سيلفا لم يكن مجرد فوز انتخابي بل كان انتصارا لفكرة الاستقلالية الاستراتيجية وتأكيدا بأن المجد يصنع حين ترفض الدول أن تكون مجرد حديقة خلفية لإمبراطوريات تتغير عناوينها وتبقى غاياتها.
لكن في قلب هذه العاصفة تقف مصر الدولة التي لم تكن مجرد متلقي للدروس بل كانت هي الاختبار الأصعب فالموقف المصري الشامخ الرافض لوصاية ترامب ليس وليد الصدفة ولا ردة فعل لحظية بل هو امتداد لـ تراث سيادي محفور في الوجدان حين ترفض القاهرة اليوم فهي تستحضر روح 1956 يوم تأميم القناة وتستحضر عزيمة عبور 1973 يوم كسرت أسطورة الجيش الذي لا يقهر مصر لا تكتشف سيادتها الآن بل تعيد تأكيد ما كتب بحروف من نور في سجلات التاريخ فيما معناه أن هذه الأرض لا تباع وأن قرارها يكون وفق لمصالحها.
وهذا الإرث ليس مجرد ذكريات بل هو بوصلة واجهت بها القاهرة خلال الفترة الماضية حزمة من الضغوط والطلبات الأمريكية التي لم تكن مجرد مطالب دبلوماسية عابرة لكنها كانت محاولات لاختبار السيادة.
فكان الطلب الأخطر محاولة تمرير فكرة تهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية هنا لم تكن كلمة لا مجرد موقف سياسي بل كانت عقيدة أمن قومي فالقاهرة أدركت أن القبول بهذا الطلب ليس مجرد تصفية للقضية الفلسطينية بل هو انتحار استراتيجي لمصر قالت لا بعلو الصوت ورفضت أن تكون مقبرة لأحلام الشعب الفلسطيني.
فجاء طلب اخر بتمرير سفن وبضائع عبر قناة السويس بتسهيلات تمس السيادة ومحاولة فرض العبور المجاني فكان الرد المصري حاسما قناة السويس ليست منحة دولية بل هي حق سيادي خالص وتحت أي ظرف من الظروف لن يمر احد على حساب السيادة المصرية.
فهناك ضغوط مستمرة لمحاولة حشر مصر في زاوية ضيقة ومنعها من التنويع في شراكاتها الدولية فكانت جميعها تصطدم بجدار مصري سميك لا للوصاية على خيارات مصر ونعم لتعدد المسارات التي تخدم مصالحها فقط.
ولكي ندرك عظمة هذا الرفض علينا أن ندير البصر قليلا نحو من قالوا نعم لننظر إلى بعض العواصم التي رضخت للضغوط أو تلك الدول التي ظنت أن التنازل عن القرار يضمن لها الأمن والرخاء ماذا جنت تلك الدول التي جعلت من الطاعة منهجا؟ لقد خسرت سيادتها وتحولن إلى مجرد وكلاء لإدارة أزمات الغير أو ساحات لتجربة أسلحة الآخرين فمن تنازل عن قراره وجد نفسه في النهاية بلا قرار وبلا حليف النعم الرخيصة لا تشتري الأمان بل تشتري التبعية وتفقد الدول هويتها أما من قال لا فقد اشترى حريته.
ولكن كيف لمصر أن تقول لا في عالم يبتلع الضعفاء؟ وكيف استطاعت أن تقف شامخة بينما انحنى غيرها؟ هنا نصل إلى الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الجدل المؤسسة العسكرية هي صمام الأمان الأوحد لهذا البلد.
ففي عالم لا يحترم إلا لغة القوة فإن الرفض السياسي وحده لا يكفي فما جعل مصر قادرة على قول لا للضغوط الأمريكية ليس فقط حكمة القيادة السياسية لكن وجود قوة رادعة تقف خلف هذا القرار فالقوات المسلحة المصرية ليست مجرد أداة للدفاع عن الحدود بل هي الضامن الاستراتيجي للاستقرار الداخلي وصمام الأمان الذي يحمي الدولة من الانزلاق إلى فوضى المتاهات أو الخضوع لإملاءات قد تفرط في مقدرات الوطن.
فالجيش المصري هو من يضمن أن القرار الوطني يظل حرا وهو من يرسم الخطوط الحمراء التي لا يمكن لأحد تجاوزها وهو الدرع الذي يحمي ظهر الوطن ليتمكن صناع القرار من المواجهة دون خوف من انهيار داخلي أو ابتزاز خارجي وانظر حولك الى ليبيا وسوريا والسودان والعراق واليمن ماذا لحق بهم بعد ضعف وانهيار جيوشهم ستجد هذة الشعوب مشردة في شتي بقاع الارض لان من بقي منهم في ارضة عايش ذليل تحت رماد الحرب المشتعلة وعلى سبيل المثال المؤلم نجد وسط كل هذا المرأة السودانية تتجرع مرارة الاغتصاب مخلفة وراءها جراحا لن تلتئم أبدا وضميرا عالميا نائما بعمق شديد.
وهنا عزيزى القارئ يبقي الدرس المستفاد هو أن النعمة في السياسة الدولية ليست في كثرة الحلفاء بل في صلابة الموقف قادة الدول التي تقول نعم لكل شيء ينتهي بهم الحال إلى لا شيء كما رأينا في تجارب من رضخوا فضاعوا أما مصر حين تقول لا فإنها لم تكن تحمي حاضرها فقط بل كانت تؤسس لمستقبل لن يصنع إلا بيد أبنائها وتحت حماية خير أجناد الأرض صمام أمانها الذي يضمن أن تظل كلمة مصر هي الكلمة العليا فحافظو على جيشكم من أهل الشر فالقادم في هذا العالم البائس لا يبشر بخير فتحت يافطة الحرية الزائفة يتآمر الخارج فتضعف الجيوش ويتكاثر وحش الميليشيات فاحذروا وحافظوا على جيشكم فهو الدرع الحصين الذي يحميكم والسور الذي يصونكم وبدونه ستصبحون فريسة سهلة لذئاب الفتن حفظ الله الجيش.
خالد عامر يكتب: من الرفض تصنع الأمم مجدها