قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: تحديات الإمداد وثقافة الإنتاج المحلي

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​تضع التطورات الميدانية المتفاقمة بالبحر الأحمر والتوتر المستمر مع الجماعة الحوثية في اليمن أمن الطاقة وسلاسل التوريد أمام اختبار حرج؛ فالتلاحم الوثيق بين سلامة الممرات البحرية وانتظام الملاحة لم يعد مجرد مسألة عابرة، بل بات كاشفاً للهشاشة التي تحيط بحركة التجارة الدولية، والتي تعتمد عليها الاقتصادات الإقليمية والعالمية في تدفق النفط والغاز والسلع الأساسية. وقد أثبتت هذه المعطيات أن حلول الردع العسكري التقليدي وحدها لا تكفي لاستدامة الاستقرار الاقتصادي، ما لم تُسند برؤى أكثر عمقاً ومرونة.

​ووفقاً للوضع الجيوسياسي الراهن، جاء انعقاد مؤتمر "تريندز" السنوي السادس بالعاصمة الإماراتية أبوظبي يوم الإثنين (12 أكتوبر)، والذي تنظمه «مجموعة تريندز للبحوث والاستشارات» بصفتها مؤسسة بحثية مستقلة تُعنى باستشراف المستقبل وتحليل القضايا الاستراتيجية والاقتصادية إقليمياً ودولياً، تحت عنوان: «الأمن المستدام: مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب». وقد سعى هذا الحدث المحوري، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء والباحثين الممثلين لدول المنطقة وعدد من القوى الدولية الفاعلة، إلى الانتقال بالنقاش من التوصيف السطحي للأزمات إلى وضع أطر عملية ترتكز على التعاون المشترك بين دول المنطقة، وبناء منظومات دفاعية واقتصادية قادرة على امتصاص الصدمات الهيكلية التي تفرضها النزاعات المسلحة.

​ويرتبط هذا الطرح ارتباطاً وثيقاً بالتحول الجذري الذي يشهده الاقتصاد العالمي اليوم؛ حيث تنتقل الدول والمؤسسات من سياسة التدفق والإنتاج اللحظي (Just-in-Time)-التي تعتمد على توفير المستلزمات الضرورية فقط لخفض التكاليف في أوقات الاستقرار، غير أنها تبدو شديدة الهشاشة عند الأزمات-إلى التبني الصارم لمنهجية "التأمين الاستراتيجي" (Just-in-Case)؛ وهو انتقال محمي بسياج آمن يعززه مخزون وفير يكفل استمرار الإمداد وامتصاص الصدمات عند اضطراب خطوط الملاحة. هذا التحول ليس خياراً رفاهياً، بل تحصين عملي للسيادة الوطنية؛ فالدول التي تكتفي بالاعتماد المباشر على الواردات الجاهزة وتغفل تطوير قدراتها الذاتية تظل الأكثر عرضة للاختناقات عند أي اضطراب في حركة الموانئ أو خطوط الشحن.

​وفي هذا السياق التنافسي، تجسد الخبرة المصرية هذا النموذج الإيجابي للتحول؛ فلم تعد الاستجابة تقتصر على معالجات قصيرة المدى، بل تجلت في التوجه القومي الصارم لرفع معدلات استخراج الغاز الطبيعي والزيت الخام. وهو ما ترجمته وزارة البترول والثروة المعدنية ميدانياً بقيادة المهندس كريم بدوي عبر توقيع عقد بين شركة "جابكو" و"إس إل بي" لتنفيذ مسح سيزمي متقدم بتقنية العُقد القاعية (OBN)، وهي تقنية حديثة ترتكز على تثبيت مستشعرات عالية الدقة بقاع البحر لالتقاط الموجات الصوتية بدقة متناهية وفك تعقيدات الطبقات الجيولوجية العميقة، على مساحة 1035 كم² بخليج السويس؛ بما يعكس الحرص على تعميق الشراكات التكنولوجية وتوظيف المناخ الاستثماري المحفز للحد من الفاتورة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الداخلية.

​من هنا، تتضح المعالم الحقيقية للمرحلة المقبلة؛ إذ يتوج هذا النجاح بتوسيع آفاق "القيمة المضافة" وترسيخ "ثقافة الإنتاج" كمسار تنموي شامل ومستدام، عبر استغلال الأدوات التكنولوجية المستحدثة لخدمة القطاع ومضاعفة الاستكشافات. إن تمكين التصنيع المحلي، والتوطين المعرفي، وتوجيه رأس المال نحو الابتكار، وتطوير مهارات الكوادر البشرية، إلى جانب الاستفادة من الإنجاز الاستراتيجي الذي حققته الدولة بإنهاء ملف المستحقات المتراكمة لشركاء القطاع، هي الخطوات الإجرائية الكفيلة بتحويل خطط الطوارئ إلى مناعة اقتصادية تعزز السيادة الوطنية بهذا الملف الحساس، وتضمن للتكامل الإقليمي تخطي الأزمات الراهنة وتحصين أمن الطاقة المستقبلي.