يأتي تجدد اشتعال الأوضاع في اليمن بعد سنوات من الهدوء، وعقب سيطرة ميليشيات الحوثي المدعومة إيرانيًا على مناطق واسعة من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر في سبتمبر الماضي، ليكون بمثابة انفجار كبير على الساحة اليمنية، لم تتوقف تداعياته عند حدود اليمن وأراضيه.
وباختصار، فإن سيطرة الحوثي على مناطق واسعة من الساحل اليمني على البحر الأحمر دفعته إلى تكثيف هجماته على السعودية، واختلاق مبررات لضرب منشآت حيوية في قلب العاصمة السعودية الرياض، واستهداف مطار الرياض، واستهداف مقر شركة البترول السعودية العملاقة أرامكو ومنشآت حيوية، علاوة على استهداف صواريخ ومسيّرات للحرم المكي والمدينة المنورة.
ولا يفوت على أي باحث أو مهتم بالأوضاع أن التصعيد على الساحة اليمنية غرضه تخفيف الضغوط على إيران بمنطق مثل شعبي شهير: «سيب وأنا أسيب». فإذا خففت الولايات المتحدة ضرباتها على إيران وحصارها واستهداف ناقلات النفط بها، فإن طهران، من ناحية ثانية، ستدفع بميليشياتها المسلحة المدعومة إيرانيًا لوقف استهداف السعودية، وهي الحليف الأكبر للولايات المتحدة في الخليج.
المثير في هذه التطورات أن هجمات الحوثي تجاوزت، بعد سنوات من الحرب الأهلية الدامية، حدود المنطقة الجنوبية السعودية القريبة من اليمن، وتخطت إلى العاصمة السعودية، ما دفع القاهرة، وبعد إعلان مجلس الدفاع الوطني وتفويض مجلس النواب، إلى إعلان دعمها العسكري التام للرياض والدفاع عن أراضي المملكة، في تطور هائل للأحداث.
وبتحليل سريع في نقاط مكثفة، يمكن قراءة المشهد وأسبابه وتداعياته كالتالي:
تطور هجمات الحوثي باتجاه السعودية، وإطلاق صواريخ باليستية وإطلاق مسيّرات لمئات الكيلومترات، يفضح وجود قوات إيرانية وخبراء إيرانيين في اليمن يساعدون الحوثي ويقدمون له «الإحداثيات» لضرب السعودية وهز استقرار المنطقة، ومن العبث التصديق أن اليمنيين لديهم هذه القدرات!
الحوثي في اليمن معدوم الإمكانيات اقتصاديًا وتكنولوجيًا طوال أكثر من 14 عامًا، بعد تنازل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح عن السلطة ووفاته بعد ذلك عام 2017، وانخراط اليمن في حرب أهلية دموية مريرة، مع صعود ميليشيات إيران إلى سدة الحكم ومحاربة الحكومة اليمنية الشرعية.
تكثيف الحوثي ضرباته ضد السعودية، واستهداف العاصمة ومنشآت النفط والمطارات، يفتح من جديد ملف طابور ميليشيات إيران في المنطقة، ويؤكد التحذيرات التي أُطلقت على مدى العشرين عامًا الماضية، من أن طهران تربي أجيالًا من «شياطين الميليشيات»، وأفسدت ودمرت اليمن ولبنان والعراق وسوريا، وتحكم قبضتها على منطقة الخليج تحت دعاوى الهلال الشيعي.
الدفاع عن السعودية حق مشروع، وخطوة إيجابية مقدرة من جانب مصر، انطلاقًا من الأمن القومي المصري والعربي، والأضرار التي ستطال السعودية ستؤثر على كامل المنطقة العربية.
التفاوض مع طهران هو «تفاوض مع الشيطان» فعلًا، وإيران نفذت استراتيجية خبيثة لتطويق دول الخليج وتطويق الدول العربية، ووجود ميليشيات مدعومة عسكريًا منها عند باب المندب وبوابة البحر الأحمر لا يمكن السكوت عنه أو قبوله.
أستبعد، من خلال قراءتي للأحداث، وجود تسوية حقيقية للملف اليمني في وجود عبد الملك الحوثي، ربيب خامنئي إيران ونجله، وطهران تريد نظامًا يمنيًا «فارسي الهوى» يتبعها، ولن تقبل بأقل من ذلك بعد مليارات الدولارات التي أنفقتها على هذه الميليشيات بدعوى محاربة أمريكا وإسرائيل، وفي نهاية المطاف انقلبت علينا وعلى الدول العربية، سواء حزب الله في لبنان أو الحشد الشعبي في العراق أو الحوثي في اليمن أو ميليشيات سوريا، والتي تُدار جميعًا عبر الحرس الثوري الإيراني.
الصراع اليمني معقد، والزج بالسعودية واستهداف مطاراتها وأراضيها ومنشآت النفط حقد فارسي دفين، وطهران اللاعب الأول والأخير والاحتياطي في المشهد اليمني، وأي تسوية تكون في طهران، بينما الحوثي أو من سيأتي بعده مجرد منفذين لأوامر الحرس الثوري.
ونختم بأن تطورات الحرب على السعودية خطرة، ولا بد من تحرك عربي موسع تقوده الجامعة العربية، باعتبارها المظلة الوحيدة، عبر قرارات قمة تتحرك على مسارات عدة لردع طهران، وليس «التحايل عليها»، فالفرس والعجم لا يأتون بهذه الطريقة، وإيقاف العبث ناحية السعودية، وإبقاء حرب اليمن داخلها، والاستقرار على تسوية سياسية ما بأي صيغة للحكم، وعودة الهدوء، والتركيز على إنقاذ الشعب اليمني وإعادة الحياة إلى مؤسسات الدولة.