قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. منال إمام يكتب: حين يكبر الآباء.. من يرعى الذين رعونا؟

د. منال إمام
د. منال إمام

هناك لحظة في العمر تتبدل فيها الأدوار دون أن نشعر، تلك الأيدي التي كانت تمتد إلينا لنخاف أقل، ونتعثر أقل، ونمضي في الحياة أكثر اطمئنانًا، تصبح هي نفسها بحاجة إلى يد تسندها، والقلوب التي سهرت على راحتنا، وخافت علينا من نسمة برد، وانتظرت عودتنا بقلق، تقف يومًا عند أبواب أعمارنا، لا تطلب الكثير، بل تنتظر أن نجد لها وقتًا في زحام أيامنا.
يكبر الآباء، وتضعف خطواتهم، وتتكرر حكاياتهم، وتصبح الأشياء التي كانوا يفعلونها بسهولة تحتاج إلى جهد ومساعدة، وقد ينسون بعض التفاصيل، أو يسألون السؤال نفسه أكثر من مرة، أو يحتاجون إلى من يصغي إليهم في حكاية يعرفها الجميع، إلا أنهم يحبون روايتها من جديد، وربما لا يدركون أن ما يطلبونه ليس مجرد إجابة، بل لحظة قرب، وشيئًا من الأنس، وشعورًا بأنهم ما زالوا يحتلون مكانهم الدافئ في قلوب أبنائهم.
في هذه المرحلة، لا تكفي الأموال وحدها، مهما كانت ضرورية، فقد نوفر لوالدينا أفضل الطعام، ونشتري لهما الدواء، ونتكفل باحتياجاتهما، ثم ننسى أن نسألهما: كيف تشعران اليوم؟ هل يؤلمكما شيء؟ هل اشتقتما إلى الحديث معنا؟ قد تصل النقود في موعدها، بينما يتأخر صوت الابن، وتغيب زيارة الابنة، ويمر يوم طويل دون مكالمة تطمئن قلبًا لم يتوقف يومًا عن القلق علينا.

ليس معنى ذلك أن المال لا قيمة له، أو أن الأبناء مطالبون بما يفوق طاقتهم، فالحياة أصبحت مثقلة بالمسؤوليات، والعمل يستهلك الوقت والجهد، والبيوت لها احتياجاتها، والأبناء أنفسهم يواجهون تحدياتهم الخاصة، لكن الرعاية الحقيقية لا تُقاس بما نقدمه فقط، بل بالطريقة التي نقدمه بها، وبقدرتنا على أن نجعل من نرعاهم يشعرون بالمحبة والكرامة، لا بالشفقة أو المِنّة.
قد لا نستطيع الجلوس معهما ساعات طويلة كل يوم، لكننا نستطيع أن نمنحهما مكالمة صادقة، وزيارة لا ننشغل خلالها بهواتفنا، وكلمة هادئة حين يكرران السؤال، وصبرًا حين تبطؤ خطواتهما أو تضيق ذاكرتهما. نستطيع أن نشركهما في تفاصيل حياتنا، وأن نطلب رأيهما، وأن نشعرهما بأن وجودهما لا يزال مهمًا، وأنهما ليسا خارج المشهد لمجرد أن العمر تقدم بهما.
ومن هنا، فإن بر الوالدين لا يعني أن نعيش أسرى للشعور بالذنب، ولا أن نتخلى عن مسؤولياتنا الأخرى، بل أن نتعلم كيف نوازن بين واجباتنا ومحبتنا، وأن نتقاسم رعايتهما إن كنا إخوة، وأن نطلب المساعدة عند الحاجة، وأن نبحث عن حلول تحفظ لهما الأمان والكرامة، فالرعاية ليست مهمة شخص واحد بالضرورة، بل مسؤولية محبة تتوزع فيها الأدوار، ويظل فيها الاهتمام حاضرًا حتى حين تضيق الظروف.
ولعل أجمل ما نستطيع تقديمه لهما أن نعيد إليهما بعض الطمأنينة التي منَحانا إياها في طفولتنا، أن نمسك أيديهما كما أمسكا أيدينا، وأن نصغي إليهما كما أصغيا إلى حكاياتنا الصغيرة، وأن نتذكر أن ما نراه اليوم بطئًا أو تكرارًا أو حاجةً إلى المساعدة، هو جزء من رحلة العمر التي لا ينجو منها أحد.
فلا تؤجلوا الزيارة حتى تجدوا وقتًا مثاليًا، ولا تنتظروا مناسبة لتقولوا كلمة حب، ولا تجعلوا انشغالكم سببًا في أن يشعر من أفنوا أعمارهم من أجلكم بأنهم أصبحوا في آخر قائمة اهتماماتكم، فبعض اللحظات التي تبدو عادية اليوم قد تصبح غدًا أمنيات لا نستطيع استعادتها.
حين يكبر الآباء، لا يحتاجون دائمًا إلى أن نفعل أشياء عظيمة من أجلهم، أحيانًا يحتاجون فقط إلى أن يشعروا بأنهم ما زالوا أعزاء، وأن احتياجهم إلينا لا ينتقص من مكانتهم، وأن وجودهم في حياتنا ليس عبئًا، بل نعمة نخشى أن يأتي يوم نفتقدها.
قد ننجح في توفير كل شيء إلا الدفء، ونؤدي واجباتنا كاملة إلا الحضور، أما الحب، فيظهر في التفاصيل الصغيرة، في صوت يطمئن، ويد تربت بحنان، وعين تنظر إليهما باحترام، وقلب يتسع لضعفهما دون ضجر.
ارحموا ضعف الذين احتملوا ضعفكم، واحتضنوا قلوب الذين احتضنوكم قبل أن تعرفوا معنى الحياة، فسيأتي يوم ندرك فيه أن أعظم ما منحناه لوالدينا لم يكن ما اشتريناه لهما، بل الوقت الذي اقتطعناه من أعمارنا لنكون معهما، والمحبة التي جعلتهما يشعران بأنهما، مهما تقدمت بهما السنون، ما زالا في القلب كما كانا دائمًا: أغلى الناس.