قالت دار الإفتاء المصرية، إن مما كرَّم اللهُ تعالى به الإنسانَ وفضَّله على سائر المخلوقات أن شَرَع له بعد مَمَاتِهِ قبرًا يُواريه، وكِنًّا يستتر فيه؛ صيانةً لحرمته، وحفظًا لأمانته؛ حتى لا تنتشر رائحته، أو تنهشه السباع أو الجوارح، أو ينبشه سارق، أو ينتهكه معتدٍ، فقال تعالى: ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَـٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه: 55]، وقال سبحانه في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا أَحۡيَآءً وَأَمۡوَٰتًا﴾ [المرسلات: 25- 26]، وقال جَلَّ شأنُه: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ﴾ [عبس: 21].
وأضافت دار الإفتاء في إجابتها على سؤال: هل يجوز نقل الميت من القبر الذي دُفن فيه إلى قبرٍ آخر للضرورة؟ أن الأصل حرمة نبش قبر الميت قبل البِلَى لنقله إلى مكان آخر لغير ضرورة، أو حاجة طارئة، أو مصلحة معتبرة شرعية.
وتابعت دار الإفتاء: فإذا وُجدت الضرورة أو الحاجة الطارئة أو المصلحة المعتبرة التي لا يمكن تحققها إلا بنبش القبر ونقل الميت بعد دفنه فإنه يجوز حينئذٍ نبشُه ونقل رفاته إلى مكانٍ آخر، كما لو دُفن لغير القبلة، أو بلا غسل، أو بلا كفن، أو في أرضٍ أو ثوبٍ مغصوبين، أو وقع مال في القبر، أو لخوف تضرر قبورهم بالمياه، أو لمصلحةٍ عامةٍ لا يمكن تحقيقُها إلا بتحويل القبر، كشقِّ طريقٍ أو تحويلِ مجرى نهرٍ لا يُستَغنى عن فعله أو غير ذلك.
إكرام الميت واحترامه
وأكدت أن كل ذلك بشرط التعامل بإكرام واحترام مع الميت أو ما تبقى منه؛ لأن حُرمة المسلم ميتًا كحُرمته حيًّا، وبشرط احترامه في نقله، فلا يُنقَل على وجهٍ يكون فيه تحقيرٌ له، وبشرط عدم انتهاك حرمته، فتُستخدَم كل الوسائل الممكنة التي من شأنها أن تحفظ جسده وتستره، مع اللطف في حمله، ويراعى بعد نقله أن يكون دفنه بالطريقة الشرعية.
وأضافت أن الأصل في جواز استخراج الميت من قبره بعد دفنه ونقله ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أَتَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ بَعدَمَا أُدخِلَ حُفرَتَهُ، «فَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكبَتَيهِ، وَنَفَثَ عَلَيهِ مِن رِيقِهِ، وَأَلبَسَهُ قَمِيصَهُ»، فَاللهُ أَعلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. قَالَ سُفيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَارُونَ: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ عَبدِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلبِس أَبِي قَمِيصَكَ الَّذِي يَلِي جِلدَكَ، قَالَ سُفيَانُ: «فَيُرَونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَلبَسَ عَبدَ اللهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ» أخرجه الإمامان: البخاري واللفظ له، ومسلم.
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقتُولًا فِي أَوَّلِ مَن يُقتَلُ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَإِنِّي لَا أَترُكُ بَعدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنكَ غَيرَ نَفسِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَينًا فَاقضِ، وَاستَوصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيرًا، فَأَصبَحنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبرٍ، ثُمَّ لَم تَطِب نَفسِي أَن أَترُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاستَخرَجتُهُ بَعدَ سِتَّةِ أَشهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَومَ وَضَعتُهُ هُنَيَّةً غَيرَ أُذُنِهِ» أخرجه الإمام البخاري.
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَم تَطِب نَفسِي حَتَّى أَخرَجتُهُ، فَجَعَلتُهُ فِي قَبرٍ عَلَى حِدَةٍ» أخرجه الإمام البخاري.
وقد توسَّع فقهاء المالكية في جواز نقل الميت، حيث رأَوا جواز نقل الميت من قبره إلى موضِعٍ آخر تُرجَى بركتُه، أو ليُدفن بين أهله، أو لأجل قُرب زيارة أهله، وذلك بشرط حفظ جسده وصيانة حرمته وأن يكون في ذلك مصلحة معتبرة.
وكذلك الحنابلة، حيث يجوِّزون نبش القبر لغرضٍ صحيحٍ كتحسين كفن الميت، ولنقله إلى بقعة خير من بقعته التي دفن فيها، كمجاورة صالح لتعود عليه بركته، أو لإفراده في قبر واحد عمن دُفِن معه.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فالأصل أنه يَحرُم شرعًا نبشُ القبر ونقل الميت المدفون فيه إلى مكانٍ آخَر إلا أن يكون ذلك لضرورة أو حاجةٍ أو مصلحةٍ معتبرةٍ شرعًا، فإذا وُجدت الضرورة أو الحاجة أو المصلحة المعتبرة التي لا يمكن تحققها إلا بنقله من قبره فيجوز النقل حينئذٍ، بشرط احترامه وعدم انتهاك حرمته في نقله، فلا يُنقَل على وجهٍ يكون فيه تحقيرٌ له، ويُراعَى استخدام كلِّ الوسائل الممكِنة التي من شأنها أن تحفظ جسده أو ما بقي منه وتستره، مع اللطف في حمله، وبشرط التصريح بذلك من الجهات الرسمية المختصة، والالتزام بجميع اللوائح والقوانين المنظمة لهذا الإجراء.

