يفتح الكشف البترولي الجديد بمنطقة جبل الزيت في الصحراء الشرقية الباب أمام آمال زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز، وتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يفرض أعباء متزايدة على فاتورة الطاقة والنقد الأجنبي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتقلبات أسعار النفط والغاز عالميًا.
وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية نجاح حفر البئر الاستكشافية "لوركان-6" بمنطقة شمال خليج الزيت، بعد تسجيل تدفقات بلغت 1500 برميل من الزيت الخام يوميًا، إلى جانب 8 ملايين قدم مكعبة من الغاز الطبيعي المصاحب، لتبرز تساؤلات حول حجم الإضافة التي يمكن أن يقدمها الكشف للإنتاج المصري، ومدى قدرته على تخفيف أعباء الاستيراد، وموعد بدء الإنتاج الفعلي.

تفاصيل اكتشاف جبل الزيت الجديد
جاء الكشف بعد نجاح شركة بترونفرتيتي، التابعة لشركة جنوب الوادي المصرية القابضة للبترول، في حفر البئر الاستكشافية "لوركان-6" بمنطقة شمال خليج الزيت، وفق إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية.
ونُفذ المشروع باستثمارات من شركتي دانا بتروليوم والشركة الكورية الوطنية للبترول "KNOC"، بالتنسيق مع الجهات المصرية المعنية بقطاع البترول.
وأظهرت الاختبارات الأولية للبئر معدلات تدفق تصل إلى 1500 برميل من الزيت الخام يوميًا، و8 ملايين قدم مكعبة من الغاز الطبيعي المصاحب، وهي نتائج تعزز فرص المنطقة في احتضان موارد إضافية من النفط والغاز.
وأوضحت الوزارة أن البئر ستدخل إلى منظومة الإنتاج بعد استكمال الاختبارات والإجراءات الفنية اللازمة، بالتزامن مع تحديث الخرائط الجيولوجية وتحليل نتائج الحفر، لتقييم فرص تنفيذ عمليات استكشاف جديدة وحفر آبار إضافية في المنطقة.
كم يضيف الكشف إلى إنتاج النفط والغاز؟
تعكس الحسابات الأولية حجم الإضافة المحتملة من البئر الجديدة، إذ إن استمرار إنتاجها بالمعدلات المسجلة خلال الاختبارات لمدة عام كامل قد يوفر نحو 547.5 ألف برميل من النفط الخام، إلى جانب 2.92 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.
لكن هذه الأرقام تظل تقديرات حسابية مشروطة باستمرار الإنتاج بالمعدلات نفسها طوال العام، ولا تعني أن الكميات المذكورة تمثل احتياطيات مؤكدة أو إنتاجًا مضمونًا، إذ يتوقف ذلك على نتائج الاختبارات الفنية والتشغيل الفعلي للبئر.
وللمقارنة، أعلنت وزارة البترول في يونيو 2026 ارتفاع إنتاج مصر من الزيت الخام إلى أكثر من 540 ألف برميل يوميًا، ما يعني أن المعدل المعلن للبئر الجديدة يمثل أقل من 0.3% من هذا المستوى.
أما إنتاج الغاز المصاحب، فيمثل إضافة محدودة مقارنة بمعدلات الاستهلاك المحلي التي تتجاوز 6 مليارات قدم مكعبة يوميًا، لكنه قد يساعد في توفير جزء من الاحتياجات وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وبذلك لا يمثل كشف جبل الزيت تحولًا كبيرًا في خريطة الطاقة بمفرده، لكنه يضيف كميات جديدة إلى الإنتاج المحلي، وتزداد أهميته إذا تبعته اكتشافات أخرى ونجحت عمليات التنمية في تحويل الموارد إلى إنتاج تجاري مستدام.
تأثير الاكتشاف على فاتورة الاستيراد
ومن جانبه، أكد الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول وخبير أسواق الطاقة، في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن التوسع في الاكتشافات الجديدة يدعم قدرة الدولة على تقليص واردات الغاز الطبيعي وتوفير النقد الأجنبي، مشيرًا إلى أن العائد الاقتصادي الحقيقي يرتبط بنجاح عمليات التنمية وتحويل الآبار المكتشفة إلى مصادر إنتاج فعلية.
تأتي أهمية الكشف الجديد في وقت تواجه فيه مصر أعباء متزايدة لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز، وسط ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأثر أسواق الطاقة بالتوترات الإقليمية.
وبحسب بيانات ميزان المدفوعات المصري، ارتفعت فاتورة الواردات البترولية إلى نحو 24.9 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، فيما سجل العجز التجاري البترولي نحو 18.3 مليار دولار.
وتسعى الحكومة إلى زيادة الاعتماد على الخام المنتج محليًا، وتحسين كفاءة معامل التكرير، بما يساعد على تقليل الاحتياجات الاستيرادية وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يساهم تشغيل بئر "لوركان-6" في توفير جزء من احتياجات السوق المحلية، لكن تحديد قيمة الوفورات الدولارية يتطلب معرفة حجم الإنتاج التجاري الفعلي، وأسعار بيع الخام والغاز، وتكاليف التشغيل، فضلًا عن حصص الشركاء الأجانب.
لذلك لا يمكن احتساب العائد المالي للاكتشاف بمجرد ضرب معدلات التدفق الأولية في الأسعار العالمية، لأن صافي العائد يتأثر بتكاليف الإنتاج والتشغيل والالتزامات المرتبطة بالمشروع.
150 بئرًا جديدة.. تحركات لزيادة الإنتاج المحلي
لا يأتي كشف جبل الزيت بمعزل عن تحركات قطاع البترول لزيادة أعمال الحفر والاستكشاف وتطوير الحقول القائمة، إذ شهدت الفترة من بداية يوليو وحتى 19 أكتوبر 2026 حفر 150 بئرًا تنموية واستكشافية، ودخول 106 آبار جديدة إلى خريطة الإنتاج، وفق بيانات متداولة بقطاع البترول.
وساهمت هذه الأنشطة في إضافة نحو 50.7 ألف برميل يوميًا من الخام والمتكثفات، إلى جانب 218 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، فضلًا عن تحقيق 15 اكتشافًا جديدًا.
وتستهدف هذه التحركات تعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القديمة، ورفع كفاءة الآبار القائمة، وزيادة فرص الوصول إلى موارد جديدة، بما يدعم قدرة الدولة على تلبية جانب أكبر من احتياجات السوق المحلية من الإنتاج الوطني.
كما يرتبط نجاح خطة زيادة الإنتاج بتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات، واستمرار التعاون مع الشركات الأجنبية، وتسريع إجراءات تنمية الاكتشافات الجديدة، حتى لا تظل نتائج الحفر والاختبارات مجرد مؤشرات أولية دون انعكاس فعلي على الإنتاج.
متى يبدأ الإنتاج من بئر لوركان-6؟
لم تعلن وزارة البترول موعدًا نهائيًا لبدء الإنتاج التجاري من بئر "لوركان-6"، واكتفت بالإشارة إلى استكمال الاختبارات والإجراءات الفنية اللازمة قبل ربطها بمنظومة الإنتاج.
وتتوقف الخطوة التالية على تقييم استدامة معدلات تدفق النفط والغاز، وتحديد حجم الموارد القابلة للاستخراج، ومدى الجدوى الاقتصادية من تطوير البئر وحفر آبار أخرى في المنطقة.
وفي النهاية، يمثل اكتشاف جبل الزيت إضافة جديدة لجهود زيادة إنتاج النفط والغاز، لكنه لن يكون وحده كافيًا لتغيير فاتورة الاستيراد بصورة كبيرة، إذ يرتبط التأثير الاقتصادي بحجم الإنتاج المستدام وسرعة دخول البئر إلى التشغيل، إلى جانب استمرار الاكتشافات وتطوير الحقول القائمة.
ومن جانبه، قال المحلل الاقتصادي، إسلام الأمين، إن المؤشرات الاقتصادية الحالية تعكس وجود فرص لتحسن أداء الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار جهود الدولة في جذب الاستثمارات وتعزيز الإنتاج المحلي، بما يسهم في زيادة معدلات النمو وتوفير فرص عمل جديدة.
وأضاف الأمين في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن التوسع في المشروعات الإنتاجية ودعم القطاعات الصناعية والزراعية يمثلان خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات الخارجية، مشيرًا إلى أن زيادة الإنتاج المحلي تنعكس بشكل إيجابي على توافر السلع واستقرار الأسواق.
وأكد أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار من شأنهما تعزيز ثقة المستثمرين، وفتح المجال أمام المزيد من المشروعات خلال المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن تحقيق نتائج مستدامة يتطلب مواصلة العمل على زيادة الإنتاج وتحسين كفاءة الإنفاق وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.




