يتمسك الجيش اللبناني برفض إقامة أي تنسيق عسكري مباشر مع إسرائيل، في وقت تتواصل فيه الجهود الأميركية لدفع المفاوضات بين الجانبين نحو ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، وسط خلافات بشأن آلية تنفيذ الاتفاقات ومراقبة الالتزام بها، وشروط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
ويأتي الموقف اللبناني في ظل ضغوط إسرائيلية للموافقة على إنشاء غرفة عمليات مشتركة تتيح التنسيق المباشر بين الجيشين، بهدف متابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية والتحقق من خلو مناطق محددة من أسلحة حزب الله ومنشآته العسكرية. غير أن بيروت ترفض هذا الطرح، وتعتبر أن أي تنسيق مباشر من شأنه المساس باستقلالية المؤسسة العسكرية اللبنانية، ومنح إسرائيل دورا في إدارة التحركات الميدانية داخل الأراضي اللبنانية.
وفي المقابل، يطالب لبنان بإيجاد آلية تحقق مستقلة، بمشاركة طرف ثالث، تتولى مراقبة تنفيذ التفاهمات الأمنية، على أن يستمر التواصل بين الجانبين عبر الوساطة الأميركية، بدلا من إقامة قنوات اتصال عسكرية مباشرة.
وتتركز الخلافات كذلك حول طبيعة الدور الذي سيؤديه الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية، إذ تطالب إسرائيل باتخاذ خطوات ملموسة لنزع سلاح حزب الله، وتشكك في قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ هذا الالتزام، بينما يتمسك لبنان بضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي التي لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطة الدولة.
وتعود جذور التفاهمات الحالية إلى اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية في واشنطن في السادس والعشرين من يونيو الماضي، والذي يتضمن ترتيبات أمنية تقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني فيها، إلى جانب معالجة ملف سلاح حزب الله.
وفي يوليو الماضي، بدأ تطبيق مبادرة المناطق التجريبية، التي تستهدف اختبار الترتيبات الأمنية في عدد من المناطق الجنوبية، إلا أن تنفيذ المبادرة واجه عقبات، أبرزها عدم الاتفاق على آلية مستقلة للتحقق، والخلاف بشأن توسيع نطاق المناطق المشمولة بها.
وخلال المحادثات العسكرية التي استضافتها مدينة تامبا بولاية فلوريدا في أكتوبر الماضي، برعاية القيادة المركزية الأميركية، عرض الوفد اللبناني مطالبه المتعلقة بوقف الهجمات الإسرائيلية، ووقف عمليات هدم المنازل، والانسحاب من الجنوب، ومعالجة ملف الأسرى، وضمان عودة السكان إلى قراهم.
في المقابل، لا تزال إسرائيل تربط انسحاب قواتها باتخاذ خطوات بشأن سلاح حزب الله، وهو ما يضع المفاوضات أمام خلاف جوهري بين الطرفين، لا يتعلق فقط بآليات التنفيذ، وإنما بطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستحدد مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعرب عن عدم ثقته بقدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، مؤكدا أن القوات الإسرائيلية ستواصل البقاء في المنطقة التي تعتبرها ضرورية لأمن شمال إسرائيل، ما دام الحزب يحتفظ بقدراته العسكرية.
ويثير استمرار الخلافات مخاوف من تعثر المسار الدبلوماسي، خصوصا مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وما يصاحبها من تدمير للمنازل وقيود على عودة النازحين إلى مناطقهم.
وبينما يسعى لبنان إلى تثبيت وقف الاعتداءات واستعادة سيادته على كامل أراضيه، تتمسك إسرائيل بشروط أمنية تتقدمها مسألة نزع سلاح حزب الله، في وقت تحاول فيه واشنطن تقريب وجهات النظر والتوصل إلى صيغة تضمن تنفيذ التفاهمات دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع.