"أمة الواحد".. شاهد علمي في محاكم بغداد وأحفظ الناس للفقه في زمانها.. وأفتت مع أبي هريرة
تعد الفقيهة وعالمة الرياضيات " أمة الواحد " من أبرز النماذج النسائية اللائي برعن في مختلف العلوم والمعارف ، ولا نكاد نقف على علم من العلوم إلا ونجد لها نصيباً فيه، وكانت في زمانها من بين المفتين المشاهير، والتزمت بمنهجها في العلم بالقرآن الكريم الذي به العام والخاص والمحكم والمتشابه، والمفصل والمبهم، والناسخ والمنسوخ، فضلا عن أنها كانت على علم ودراية بما صح من السنة النبوية الشريفة ، وكانت مقصد الرجال والنساء في الفتيا.
هي ستيتة أم القاضي بنت أبي الحسين محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل المحاملي، تكنى "أمة الواحد"، تـنـتسب إلى أسرة (المَحَامِلي)، وهي أسرة اشتهرت بتفوقها العلمي؛ تألقت، وعلا شأنها، وذاع صيتها، وسجَّـل التاريخ أخبارهـا وسيرتها ومسيرتها في رحلة التعليم الطويلة، إذ أسهمت هذه الأسرة في بـث الوعي الديني، ونشر العلم الشرعي وتبليغه ، فجَدُّها هو إسماعـيل الضَّبِّي محدِّث بغداد، سمع قديماً من بعض أصحاب مالك. وهي أمُّ القاضي أبي الحُسَيْن محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل المحاملي، وحفيدها القاضي أبو الحسن المحاملي صاحب كتاب "اللُّباب في الفقه الشافعي".
قرأت أم القاضي القرآن وحفظت الفقه والفرائض والحساب والدرر والنحو والعربية، وغير ذلك من العلوم الإسلامية ، وكانت من أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعي، وكانت فاضلة في نفسها كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات.
قال ابن أختها أحمد بن عبد الله : كانت فاضلة عالمة من أحفظ الناس للفقه. وقال أبو إسحاق الشيرازي: سمعت أبا بكر البرقاني يقول: كانت بنت المحاملي تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة.
وقال أبو الحسن الدارقطني : أمة الواحد بنت الحسين بن إسماعيل المحاملي ، سمعت : أباها ، وإسماعيل ابن العباس الوراق ، وعبد الغافر بن سلامة الحمصي ، وأبا الحسن المصري ، وحمزة الهاشمي الإمام ، وغيرهم ، وحفظت القرآن ، والفقه على مذهب الشافعي ، والفرائض ، وحسابها ، والدور ، والنحو ، وغير ذلك من العلوم ، حدثت وكتب عنها الحديث .
وكان لأم القاضي حضوراً علمياً مهماً بخوضها بأحد الجوانب العلمية المهمة وهو علم الرياضيات وما يتعلق به، وبذلك تكون قد أعطت برهاناً ودليلاً هاماً على أهمية المرأة العربية وخوضها في الجوانب العلمية الصرفة، فقد تركت مجموعة من المسائل الرياضية والحلول المبتكرة لها التي لا تخلو من أصالة علمية، وتدل على مدى تطور العقل العربي .
ترجم الإمام الذهبيّ لبنت المحاملي في كتابه " سِيَر أعلام النبلاء" ؛ فقال: بنْت المحامِليِّ، العالِمة، الفقِيهة، المفتيَة، أمة الواحد بنت الحسين بنِ إسماعيل. تفقهت بأبيها، وروت عنه، وعن إسماعِيل الورَّاق، وعبد الغافر الحمصِي، وحفظت القرآن، وَالفقه للشافعي، وأتقنت الفرائِض (علم المواريث)، ومسائل الدور، والعربية وغير ذلك . وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: حدّثتْ عن أبيها وغيره.. حدّثنا عنها الحسنُ بن محمد الخلاّل. حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي قال: سمعتُ أبا بكر البَرقاني يقول: كانت بنت المحاملي تُفتي مع أبي علي بن أبي هُرَيْرة . وقال غيره : كانت من أحفظ الناس للفقه . كما قال الخطيب البغدادي: " وقال لي الخَلاّل: كان أبو حامد الإسفراييني يعظِّمها ويُكْرمها ، ويقصد أم القاضي.
أما المؤرِّخ الشهير الزِّرِكْلي صاحب كتاب "الأعلام " فيقول عنها: فاضلة، عالمة بالفقه والفرائض، حاسبة، من أهل بغداد ، وذكر د. سليم الحسني، رئيس مؤسّسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة، وصاحب فكرة معرض "ألف اخــتراع واختراع": إن الرياضيات في العصر العباسي كان لها خدمة اجتماعية. ويعطي مثالاً على ذلك: اعتاد الناس حين بناء منازلهم على إعطاء ما يشبه المقاولة للعمّال، فإذا تم بناء نصف المنزل فقط، لسبب ما، يتوجه الناس بشكواهم إلى القاضي فيلجأ الى خبراء الحساب، مثل سُتيتة التي كان يتم الاستعانة بها باعتبارها شاهداً علمياً في محاكم بغداد؛ حيث كانت تستخدم الرياضيات في حل المسائل المستعصية على القضاة.