قصر الزعفران يقف شامخا بوسط القاهرة تحديدا بمنطقة العباسية كل من يعرف القاهرة يعرفه، يراه كل من يمر بشارع لطفى باشا السيد بين مبان قديمة عفا الدهر عليها ولكنه يبقى فى أبهى صوره ويطل على مبانى القاهرة ليحبوها بجمال زخارفه وأناقة تقسيماته فيسرح الخيال فى أيام كان القصر فى عزه ورونقه.

عرف القصر
قديماً بقصر الحصوة وتغير اسمه إلى الزعفران وترجع نشأته لعام 1866 حين نقلت إليه
مدرسة المهندسخانة بأمر إسماعيل باشا. ، ومن هذا التاريخ يرجح أن تم بناؤه قبل أن يتولى اسماعيل باشا الحكم، فالخديو إسماعيل اعتلى عرش مصر سنة 1863،
ولذا فاحتمال أن يكون قد بناه ثم قرر هجره فى ثلاث سنوات ضعيف، فالأغلب إذن أنه قد
بنى قبل ذلك،

سبب تسميته
ويأتى إسماعيل باشا إلى الحكم سنة 1863 ويبدأ قصر الحصوة فى
الظهور إلى النور مرة أخرى وترى المراجع تتبادل ذكره مرة باسم الحصوة ومرة باسم
الزعفران، وسبب التسمية الجديدة أن المنطقة التى بنى فيها كانت مشهورة بنمو نبات
الزعفران المعروف بجمال لونه الأصفر وغلو ثمنه.

واستهل إسماعيل
باشا استهل بإعادة النهضة التعليمية التى شهدها عصر جده محمد على باشا الكبير
فأنشأ العديد من المدارس العليا فى مختلف أفرع العلم وأعاد فتح مدارس أخرى كان على
رأسها مدرسة المهندسخانة التى كان جده قد أنشأها وأغلقت فى أواخر عهد سعيد باشا
فأعاد افتتاحها مرة أخرى سنة 1866 واختار سراى الزعفران مقراً لها، لكنها لم تلبث
به غير سنتين انتقلت بعدها إلى سراى أخيه الأمير مصطفى بهجت فاضل بدرب الجماميز
ومحلها الآن مدرسة الخديوية بحى السيدة زينب.
الغريب أن إسماعيل باشا أعاد استخدام السراى لإقامة أسرته مرة
أخرى فأهداها إلى والدته خوشيار هانم أو الوالدة باشا سنة 1871، ونتبين من الأوراق
أن سراى الحصوة هى الزعفران؛ فأمين سامى باشا فى كتابه الوثائقى تقويم النيل
يورد نص أمر الخديو بإهداء السراى لوالدته باسم سراى الحصوة، بينما يروى لنا أحمد
شفيق باشا وهو شاهد عيان على ذلك العصر أن الوالدة باشا “كانت فى شبابها جميلة
الصورة، وقد بقى أثر هذا الجمال مدة حياتها، وكانت تحب السرور والانشراح. وقد
أقامت مع حاشيتها الكبيرة فى سراى الزعفران بالعباسية”.

الثلاثينيات فترة المجد
ونمضى مع قصة الزعفران لنصل إلى سنة 1930 حين اشترته وزارة الخارجية وحولته إلى قصر ضيافة لكبار الشخصيات، وتم إعداد جناح ملكى به وبجواره ست غرف أخرى لإقامة الحاشية المصاحبة لكبار الضيوف ملحق بكل منها حمام وصالون استقبال كلها بالطابق الثانى، بينما ضم الطابق الأول صالونات الاستقبال.
وتعد فترة الثلاثينيات والأربعينيات سنوات مجد الزعفران الجديد وأبهته حيث كان شاهداً على الكثير من الاحتفالات والولائم التى أقامتها الحكومة فى المناسبات المهمة حتى كاد يضارع أعمامه؛ عابدين والقبة! ففى سنة 1950 وحدها وحتى منتصف العام، كان قد أقيم بالزعفران خمس عشرة حفلة.
ولعل أهم الاحتفالات كان تلك
التى أقيمت بمناسبة عيد جلوس الملك فاروق وقد استغرق إعدادها أسبوع كامل ودعى
إليها ألفا مدعو أقيم لهم سرادق فى حديقة القصر وقدم لهم فيه 60 سفرجياً حوالى 215
تورتة ونحو 80 نوع حلوى استهلكت نحو 50 كيلو سكر وختموا الطعام باستهلاك ألف
سيجارة، أما الزهور التى زينت الحفل فتكلفت عشرين من جنيهات ذلك الزمان

وتفيد المراجع أن أول من نزل بالزعفران كان ألبرت ملك بلجيكا فى مارس سنة 1930، الطريف
أن ألبيرت كان أيضا أول من أقام فى جناح الضيافة بقصر عابدين فى بدء زيارته إلى
القاهرة، لذلك سمى ذلك الجناح بالجناح البلجيكى، ثم سافر إلى الصعيد وعاد إلى
القاهرة فى زيارة خاصة فنزل فى الزعفران، وبذلك كان أول من نزل فى القصرين! بعد
البلجيك جاء الأحباش، فوفد ضيفاً على الزعفران ولى عهد الحبشة فى ديسمبر 1931،
وحين تقرر استضافة الملك عمانوئيل ملك إيطاليا فى فبراير 1933 فى الزعفران، غرست
أشجار عالية فى الحديقة فى عجالة حتى تخفى عن أنظار ملك الطليان المقابر التى كانت
وقتئذ موجودة بالقرب من السراى
واستمر
الزعفران قصراً للضيافة يشهد العديد والكثير من المآدب والاجتماعات والحفلات، وفى
سنة 1950 أنشئت جامعة إبراهيم باشا (عين شمس الآن) وقد تقرر فيما بعد تحويل القصر
والحديقة الملحقة به إلى مقر لرئاسة الجامعة وكلياتها، ولم نعثر فيما استعنا به من
مراجع على تاريخ محدد لتحول الزعفران من دار ضيافة إلى دار إدارة، فمن ناحية لدينا
خريطة مساحية مطبوعة سنة 1952 وموقع عليها القصر كمقر للجامعة بينما كتب الرئيس
محمد نجيب كتب فى مذكراته ما يفيد أن هذا القرار أتخذ فى عهده، ولعله كان فى
بدايات العهد.