لكي ينصف التاريخ صانع القرار في حرب أكتوبر 1973، لا بد من العودة إلى تقديرات القيادة الروسية قبل اندلاع الحرب، حين أشارت للرئيس السادات إلى أن الحرب ستكلف الجيش ثلاثة أرباع قوته العابرة للقناة. ومع ذلك، ظل الاعتقاد راسخًا بأن خط بارليف يحتاج إلى قوة هائلة لاختراقه. لكن القيادة المصرية كانت قد أعدت خطتها بعناية، ومنحت ثقتها لقادة آمنوا بقدرة جنودهم على تجاوز التحصينات الإسرائيلية. وهكذا، جاء التخطيط المحكم والتنفيذ الدقيق ليحوّلا العبور إلى إنجاز عسكري كبير وعظيم، ويفتحا الطريق أمام القوات المصرية للتقدم على الضفة الشرقية للقناة.
لقد كانت حرب أكتوبر أول نصر عربي على إسرائيل، إذا ما قيس الأمر بكسر التفوق الإسرائيلي وإسقاط افتراضات استحالة هزيمة الجيش الإسرائيلي. ولم تقتصر نتائج الحرب على ميدان القتال، بل تجاوزته إلى المجال السياسي، إذ أعادت القضية الفلسطينية إلى دائرة الاهتمام، وربطت بين تحرير الأرض والتحرك نحو تسوية الصراع، بعدما كشفت أن القوة الإسرائيلية، مهما بلغت، ليست عصية على المواجهة أو التحدي.
ومع اندلاع الحرب، تعرضت نظرية الأمن الإسرائيلية لاختبار قاسٍ، فقد تراجعت الثقة في قدرة التحصينات والحدود الآمنة على حماية إسرائيل من هجوم عربي منظم. كما لم تنجح منظومات الإنذار والدفاع في منع القوات المصرية من تحقيق اختراقها. وأظهرت المعارك أن التفوق في السلاح لا يكفي وحده لحسم الصراعات، وأن الحصون التي تبدو منيعة قد تفقد قيمتها حين تواجه تخطيطًا محكمًا وإرادة قتالية قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات.
وكان من أهم دروس الحرب أن أساليب اقتحام الموانع المائية والتحصينات، التي اعتمدت عليها القوات المصرية، استطاعت تجاوز كثير من الحسابات الدفاعية الإسرائيلية والأمريكية. فقد تمكن المهاجمون من اختراق الدفاعات والتقدم إلى أعماق المواقع المحصنة، بينما سقط بعض المدافعين في المواجهة، وظل آخرون يقاومون حتى نهاية القتال. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تستحق تجربة اقتحام المانع المائي ودروس ضرب التحصينات دراسة واسعة في المعاهد العسكرية حول العالم، فقد قدمت الحرب نموذجًا مهمًا لكيفية التغلب على العقبات الدفاعية، وأثبتت أن الخطط التي تبدو مستحيلة التنفيذ قد تصبح واقعًا حين تجتمع دقة الإعداد، وكفاءة القيادة، وشجاعة المقاتل.
د. منال إمام تكتب: حرب أكتوبر 1973.. دروس القوة وحدود التفوق العسكري