ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

خليها تصدي: بين آمال الفقراء وجشع الوكلاء

د.طارق منصور

د.طارق منصور

الإثنين 17/يونيو/2019 - 10:47 ص
سنوات مضت حين قال لي أستاذي ذات يوم إنه عندما كان مبتعثًا للخارج للحصول على الدكتوراة كان مسموحًا لنا بشراء سيارة واحدة والعودة بها إلى مصر معفاة الجمارك، وكانت تلك مزية تمنح لأساتذة الجامعات، وبالفعل اشترى سيارة ماركة فيات، وهي الماركة الأشهر في السبعينات من القرن الماضي، وعاد بها إلى مصر.

ودارت الأيام، وجاء دوري فمنيت نفسي بأن أعود من الخارج ومعي سيارة أفرج بها عن أولادي شدائدهم اليومية في شوارع المحروسة، وحين شرعت في ذلك، حدثتني نفسي أن أذهب لأحد أقربائي وكان يعمل في جمرك السويس، وأخبرته، أني أريد أن أشتري سيارة وأشحنها إلى مصر.. فأجابني: وماله! ماركتها إيه؟ قلت له: ماركة "كذا" ضحك بهستيريا وقال: بتتكلم بجد. نظرت إليه باستغراب، لشعوري أنه يهزأ بي، وقبل أن أرد، أردفني قائلًا: دي جمركها هيعدي النص مليون جنيه يا دكتور.

نزل الخبر علي كالصاعقة، ماذا تقول؟ نصف مليون! قال لي: نعم، نص مليون جنيه، غير اللى هترشه...قلت في نفسي: هي فيها رش كمان...فأكمل كلامه: عشان تضمن عربيتك سليمة مش ناقصة مراية أو مساحة... قلت له -مدعيًا المفهومية- طبعًا معلوم.. كان هذا الحوار منذ عشر سنين.

خرجت من عنده مهمومًا، فقد أخبرني أن قانون إعفاء أعضاء هيئة التدريس من جمارك السيارة الأولى أُوقف العمل به، وصار يسري علينا ما يسري على بقية الخلق، عدا ذوي الاحتياجات الخاصة.

إذًا، على أن أشتري سيارة متوسطة لا تتعدى سعتها 1600 CC كي أتمتع بأقل جمرك ممكن، وقد أخبرني وقتها أن جمركها سيكون 40% من قيمة ثمن الشراء+ 5% ضريبة مبيعات+ 3% تنمية+ 1% ضريبة أخرى، وسيخصم من جمرك السيارة نسبة استخدام عن كل سنة شريطة أن أكون المالك الأول؛ أما إذا كنت سأشترى سيارة أكثر سعة من ذلك ستكون الجمارك 134% إضافة إلى ما سبق.

وجدت أن الحسبة لن تناسبني، فاشتريت بعد عودتي سيارة متوسطة على أمل أن أغيرها عند تطبيق مصر لاتفاقية الجات، وتصبح جمارك السيارات الأوروبية زيرو جمارك. ومع يناير 2018 فوجئت بالكل يهلل زيرو جمارك.. قلت على بركة الله، أبيع سيارتي لأشترى سيارة الأحلام الألمانية الصنع.

اتجهت لشراء السيارة فوجدت أن سعرها انخفض بالفعل بضعة آلاف، حاولت أن أستوعب، فالدولة طبقت بالفعل زيرو جمارك، ورفعت ضريبة القيمة المضافة إلى 15%، وشوية مستحدثات ضريبية لتصل جميعها إلى 25% بدلًا من 155% تقريبًا من ثمن السيارة. وقلت في نفسي: ربنا مش رايد.

وسألت صاحب المعرض: كيف، ولماذا؟ المفروض أنه تم إعفائها من 134% جمارك؟ تبسم وقال لي: سيادتك أنا موزع فقط، مكسبي فيها يادوبك، ومافيهاش أوفر برايس. المستورد بيحمل الزبون كل مليم بيصرفه، من رسوم استيراد وأرضية وعماله ودعاية ومرتبات ونقل وتحميل وتفريغ...إلخ، غير مكسبه. قلت له: ولو، كل ده معظمه بالجنيه المصري، وكان موجودًا قبل زيرو جمارك!

انصرفت وقررت أن استورد سيارة باسمي مباشرة، وذهبت إلى قريبي مأمور الجمرك لاستشيره، فقال لي ضاحكًا: القانون يمنعك، لازم يكون من خلال مستورد، لأنك مش هتعرف تحصل على شهادة اليورو.

قلت له: أنا مسافر أعمل عُمرة وسأشترى سيارة ألماني من السعودية وأشحنها وأنا راجع. ابتسم وقال: "هتدفع جمركها كاملًا، لأنك مش شاريها من بلد المنشأ، ولست وكيلًا أو شركة استيراد سيارات ليطبق عليك قرار زيرو جمارك"، قلت: شهادة المنشأ تقول إنها ألماني. قال: صحيح، لكنك ستشتريها من السعودية، لازم الشراء يكون من بلد المنشأ مباشرة من خلال الوكيل أو المستورد!

انصرفت ساخرًا مما قاله -برغم أنه حقيقة- حانقًا على القوانين البالية، وقلت في نفسي لمصلحة من؟ الحكومة طبقت بالفعل زيرو جمارك؛ غير أن المستوردين ابتلعوا الفارق في بطونهم، دون رقيب، والقوانين العقيمة سلمت المستهلك للمستورد، ومنعته من الاستيراد المباشر، فأصبحنا بين المطرقة والسندان.

أليس فتح باب الاستيراد للأفراد يرحمهم من جشع الوكلاء ويحد من تغولهم؟