لم يكن مقطع الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مشهد عابر في زحام الأخبار اليومية، بل تحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام أثارت حالة واسعة من الغضب والقلق بين المواطنين. فالمشاهد التي وثقتها عدسة الهاتف أظهرت لحظات عنف صادمة في أحد الشوارع، حيث بدا شخصان يحمل أحدهما سلاحًا ناريًا "خرطوش" والآخر سلاحًا أبيض، وهما يعتديان على رجل كان برفقة طفله الصغير، في مشهد اختلطت فيه طلقات النار بصراخ الطفل ومحاولات الأب المستميتة لحمايته.
ومع الانتشار السريع للفيديو عبر منصات التواصل، تصاعدت التساؤلات حول مكان وتفاصيل الواقعة، خاصة مع مزاعم تشير إلى حدوثها في منطقة باسوس بمحافظة القليوبية. وعلى الفور، باشرت الأجهزة الأمنية فحص المقطع المتداول، للوقوف على ملابساته، وتحديد هوية المتهمين، والتحقق من صحة ما تم تداوله بشأن موقع الحادث وظروفه.
الواقعة بحسب ما أظهره الفيديو لم تقتصر على مشاجرة عابرة، بل تضمنت استخدام أسلحة نارية وبيضاء في وضح النهار، مما أسفر عن إصابة الأب وسط حالة من الفزع انتابت الطفل الصغير، قبل أن يلوذ المعتديان بالفرار من موقع الحادث. وبين تداول الروايات وتضارب المعلومات، ويبقى التحقيق الأمني هو الفيصل في كشف الحقيقة كاملة، وتحديد المسؤوليات القانونية حيال ما جرى.
جذور الأزمة.. خلافات عائلية تتصاعد
يقول سعيد مرسي، ابن عم المجني عليه، إن شرارة الخلاف تعود إلى ما يقرب من ستة أو سبعة أشهر، حين نشبت مشكلات بين زوجة ابن عمه وأقاربها من جهة والدتها. ووفق روايته، كانت الزوجة ترغب في الذهاب إلى منزل أسرتها، إلا أن خلافات حادة اندلعت بينهم، وصلت إلى حد منعها من دخول الشارع المؤدي إلى بيت أهلها، بل وتعرضها للاعتداء والضرب، وتمزيق ملابسها.
ويضيف مرسي: “رجعت لبيتها في حالة يُرثى لها، مضروبة وهدومها مبهدلة، فكان طبيعي إن جوزها يروح يسأل ويطالب بحقه وحق مراته”. لم يقتصر الأمر على العتاب، بل تطور إلى مشادة كلامية ثم اشتباك بالأيدي، أسفر عن إصابة بعض أفراد الطرفين.
تصعيد بالخرطوش.. وإصابات متبادلة
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد. فبحسب رواية ابن العم، عاد أفراد من الطرف الآخر إلى منزل المجني عليه، ووقعت مواجهة جديدة استخدمت فيها أسلحة خرطوش، ما أدى إلى إصابة ابن عمه وأحد أقاربه. وألقي القبض على أفراد من العائلتين، قبل أن تتدخل الجهود العرفية لإنهاء النزاع.
انعقد مجلس عرفي، وأصدر حكمًا يقضي بدفع مبالغ مالية من جانب أسرة المجني عليه، في محاولة لاحتواء الموقف وحقن الدماء. إلا أن الطرف الآخر كما يقول مرسي لم يرضَ بالحكم، وطالبهم بترك المنزل ومغادرة المنطقة.
صلح قسري.. وانتقال إلى بيت جديد
“عشان نشتري دماغنا ونبعد عن المشاكل، سابوا البيت ومشوا”، هكذا يصف مرسي قرار أسرة ابن عمه بترك منزلهم والانتقال إلى بيت جديد بعيدًا عن محيط الخلافات. يؤكد أن الانتقال كان محاولة جادة لبدء صفحة جديدة، وقطع الطريق أمام أي احتكاك مستقبلي.
ويضيف: “ده في الشرق وده في الغرب.. كل واحد في حاله، وقلنا خلاص الموضوع انتهى”. لكن الهدوء لم يدم طويلًا.
ليلة التراويح.. رصاص يغتال الطمأنينة
في ليلة بدت عادية من ليالي شهر رمضان، خرج أحمد المجني عليه لأداء صلاة التراويح. وبعد انتهاء الصلاة، وقف أمام منزله الجديد، بينما كان ابنه الصغير محمد يلعب بسجادة الصلاة في براءة طفولية.
وقال مرسي “الولد كان ماسك السجادة وبيجري بيها قدام البيت”، في تلك اللحظة كما يروي باغتتهم طلقات نارية. “أول طلقة جات في رجل الطفل”، يضيف بصوت يختلط فيه الغضب بالحسرة.
سقط الطفل أرضًا، بينما أصيب والده بطلق أحدث جرحًا قطعيًا عميقًا في الوجه، يمتد بحسب رواية الأسرة لأكثر من عشرة سنتيمترات من أسفل العين حتى الأذن، فضلًا عن إصابات في الساق.
بين سريرين في المستشفى.. أب وطفل يتألمان
نُقل الأب وابنه إلى المستشفى في حالة حرجة.
ويوضح سعيد مرسي أن أحمد يرقد على سرير داخل مستشفى معهد ناصر، بينما يرقد الطفل محمد إلى جواره على سرير آخر، يصرخ من شدة الألم.
“الولد داخل عمليات بكرة”، يقول مرسي، مشيرًا إلى أن الأطباء يدرسون إجراء جراحة ترقيع، مع احتمالية لا قدر الله بتر القدم إذا لم تستجب الإصابة للعلاج. ويضيف: “اللحم وقع من رجله.. عيل عنده أربع سنين، ذنبه إيه؟”.
صرخة أب.. ورفض لدائرة الدم
رغم فداحة المشهد، يؤكد مرسي أن الأسرة لا تسعى للانتقام. “أنا مش عايز رد فعل من حد، عشان لو رديت هيترد عليّ تاني، والموضوع مش هيخلص”، يقولها بنبرة متعبة.
ويتابع: “لو هو لوحده واتخانقوا مع بعض، ده راجل وراجل، لكن ماله ابنه؟ لما تشوفه ماشي مع ابنه سيبه، دي أول طلقة جات في رجل الطفل”.
يتذكر لحظة سقوط الصغير كما ظهرت في مقطع الفيديو المتداول: “الواد كان لسه في حضنه، أول ما الطلقة جت وقع على الأرض”. مشهد يصفه بأنه لن يمحى من ذاكرته ما حيا.
جراح مفتوحة.. وأسئلة بلا إجابة
الحادثة أعادت إلى السطح تساؤلات حول جدوى الجلسات العرفية حين لا تُستكمل بروح حقيقية من القبول والالتزام، وحول خطورة استمرار النزاعات العائلية دون حلول جذرية تضمن سلامة الجميع، خاصة الأطفال.
أسرة أحمد تؤكد أنها ابتعدت جغرافيًا واجتماعيًا، ودفعت ما حُكم به عليها، وتنازلت عن بيتها القديم طلبًا للهدوء، لكنها فوجئت بتجدد الاعتداء في محيط منزلها الجديد.
حين يدفع الأبرياء الثمن
بين سريرين في مستشفى واحد، يرقد أب وطفله ضحية خلاف لم يكن للصغير فيه يد ولا صوت. وفيما تنتظر الأسرة نتائج الجراحة، تبقى القلوب معلقة بدعاء واحد.. أن يخرج محمد من أزمته سليمًا، وأن تتوقف دائرة العنف التي لا تخلّف سوى مزيد من الألم.