AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

سُليمان عبدالغفار يَكْتُب: طَهَ حُسين.. وأَديبُهُ الحائِر!؟!

الأربعاء 16/سبتمبر/2020 - 05:56 م
صدى البلد
Advertisements
يَصِفُ الدكتور طَهَ حُسَين "أديبَهُ" الذي لَمْ يَشأ أن يُسَمِّيهِ في روايَتِهِ بِعنوان "أديبْ" أنَّهُ مِنْ أصْدَق الناس وُدًَّا لَهُ في السِرِّ والجَهْر، وأحْسَنَهُم عِنْدَهُ بَلاءً في الشِدَّة واللين – وأنَّهُ مِنَ الشهامة والوفاء حَيْثُ كانَ أول المُعَزِّين لَهُ حيْنَما أخْرَجَهُ الظُلْم والجور مِنَ الجامِعة، مِثْلَما كانَ أولَ المُهَنِّئين حينَما رَدَّهُ العَدْلُ إليْها – وأنَّ هذا الأديب مِنْ أنصار الحُسْن الطبيعي الذي لا يُباع ولا يُشْتَرى، إنَّما تَخْلَعَهُ الطبيعة وتُفيضُهُ على الوُجوه والنُفوس – فَكانت الرواية بِمثابة التحيَّة الخالِصة لِذَلِك الإخاءِ الصادِق الخالِصْ مِنْ جانِب عَميد الأدب العربي لِصاحِبِهِ حَيْثُ يَقول "عِنْدَما كانَ يَزورُني كُنْتُ أنْصَرِفُ إليه عَنْ كُلِّ شئ، وأقْضي مَعَهُ الساعات الطوال، فإذا تَرَكَني خُيِّلَ إليّْ أنِّي لَمْ أقْضِ مَعَهُ إلَّا اللحَظات القِصار".

يَوَضِّحُ "الدكتور طَه حُسين" رؤيَتَهُ لِخصائِص الأديب وحِرْصَهُ على أَنْ يَصِلُ بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ الناس – فَهوَ لا يَشْعُر بِشَئ إلَّا أذاعَهُ وأعْلَنَهُ – فإذا نَظَرَ في كِتاب أو حَثَّ عَقْلَهُ على الروية والتَفْكير، لَمْ يَسْتَرِحْ ولَمْ يَطْمَئِنْ حتى يُقَيِّدَ هذا الرأي على الوَرَق – فلا يُريد أنْ يَسْتَمْتِع وَحْدَهُ بِنِعْمَةِ الإحساس والشُعور والتَفْكير – وإنَّما يُريدُ أنْ يُشْرِكُ الناس في هذا الخيْر الذي أنْتَجَتْهُ طَبيعَتَهُ الخِصْبة الغَنيَّة – فَكانَ يَكْتُبْ ويَكْتُبْ حتى يَبْلُغ الإعياء مِنْهُ مَبْلَغَه، فإنْ أوى إلى مَضْجَعِهِ ليَسْتَريح، لَمْ يَكُنْ نَوْمَهُ بِأهْدأ مِنْ يَقَظَتِهِ – فَكانَ يَكْتُبُ نائِمًا كما كانَ يَكْتُبُ يَقِظًا – وما كانتْ أحلامَهُ في الليل إلَّا فُصولًا كانتْ تُمْليها عَلَيْهِ أحْلامَهُ في الليل، فَيَجِدونَ فيها لَذَّةً و مَتاعًا. ورَغْمَ أنَّ أديب "عَميد الأدَب العربي" كانَ قَبيحَ الشَكْل غَليظَ الصوتِ في أبْشَعَ الصوَر، غَيْرَ أنَّ نَفْسَهُ كانَتْ جَميلة خَلَّابة، تُثيرُ في نُفوسِ كُلَّ مَنْ يَعْرِفُهُ الحُب والمودَّة – هذهِ النَّفْس الجميلة التي كانتْ يَتَمَتَّع بِها جَعَلَتْهُ أحَبَّ النَّاس إليّْ وأكْرَمَهُمْ عليّْ وآثَرَهُم عِنْدي.

يتَحدَّث "الدكتور طَهَ حُسين" عَنْ أحوال صاحِبِهِ الأديب – أنَّهُ كانَ يُريدُ أنْ يُنْفِقَ حَياتَهُ موظَّفًا مُثقَّفًا – يُثَقِّفُ نَفْسَهُ ثقافةً جديدة كُلَّ يوم، حَيْثُ كانَ يَلْتَمِسُ لَذَّتَهُ في القراءة و الكِتابة والحديث إلى أقرانَهُ مِنَ المُثَقَّفين – فأصْبَحَ أشدَّ الناَّسِ بُغْضًا لِديوانِ الموظَّفين، زاهِدًا في عَمَلِهِ، و تَتَملَّكَهُ الرَغْبة أنْ يَهْجُر مِصْر ويَعْبُر البَحْر إلى بَلَدٍ مِنْ بِلاد الشمال التي يُطْلَبُ فيها العِلْمُ الواسِع والأدَبْ الراقي، وتَتَغيَّر فيها الحياة مِنْ جَميع الوُجوه – بَيْنَما كُنْتُ أرْغَبُ أنْ أكونَ شيْخًا مِنْ شيوخِ الأزهَر المُجَدِّدين في التَفْكير والحياة على نَحْوِ ما كانَ يُريدُ المُتأثِّرين بالشيخ "مُحَمَّد عبدُه"، أسْتَعينُ على ذَلِكْ بِما أسْمَعُ في الجامِعة، وما أقْرأ مِنَ الكُتُبِ المُتَرْجَمَة، وما أجِدُ في الصُحُفِ مِنْ مقالات – فأصْبَحْتُ وأنا أشَدُّ انصِرافًا عَنِ الأزهَر، ونُفورًا مِنْ دُروسِهِ وشُيوخِهِ، وحِرْصًا على أنْ أهْجُر مِصر وأعْبُرُ البَحر إلى بَلد مِنْ هذه البِلاد – ولَمْ يَكُنْ لَنا مِنْ حَديث أنا وصاحِبي عِنْدَما نَلْتَقي غَيْرَ حَديث هذهِ الهِجرة وأسْبابِها، وإلَّا هذهِ الأحلام العريضة البَعيدة التي لا حَدَّ لها – إلى أنْ وافَتْ صاحِبي فُرْصة الرِحلة إلى "باريس" وأسبابِها التي حَمَلَتْ إليْهِ مَعْضِلة الاختيار بَيْنَ الظُلْم والكَذِب !؟! – وإذا بِهِ يُفاجِئْني بِالسُّؤال – أيُّهُما أهْوَنُ وأقْرَب لِلاحْتِمال "الظُلْم – أمِ الكَذِبْ ...؟!؟".


بَعْدَ يَوْمٍ مِنَ التِجوال بَيْنَ الأماكِن لِوَداعِ الأصحابِ في أحياءِ القاهِرة القَديمة المُمْتَدَّة مِنَ الأزهر إلى القَلعة قَبْل السَفر – ومُغادرة الشَرقِ إلى الغَرب – وبَعْدَ أنْ تَمَكَّن مِنَ النجاحِ والفَوزِ في مُسابقة الجامِعة المَصرية الوَليدة لِاختيارِ النابغينَ مِنَ الشباب لِلدِّراسة خارجِ الديار – فاجأ الأديبُ صاحِبَهُ بِالسُّوالِ الذي هوَ أقَربُ إلى المَعضِلة – لأنَّهُ يَحْتاج إلى إمعانِ التَفْكير وإجهادِ العَقل بَحْثًا عَنْ إجابةٍ لَهُ ؟!! – فأيَّهُما أهْوَنُ أنْ يُحْتَمَلْ: الظُلْم أمِ الكَذِبْ؟!؟ – فأجَبْتهُ بِقوْلي – لا أفْهَمْ معْنى السؤال !!!... فالظُلْمُ قَبيح والكَذِبُ قَبيح!؟! – والخَيْرُ لِلرَجُلِ الكريم الفاضِل أنْ يتَجَنَّبَهُما مَعًا !؟! – وهُنا صاحَ الأديب: وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناك بُدٌ مِنْ أحَدِهِما ؟!؟ - طَلَبْتُ مِنْهُ الإيضاح – فَقال: إنَّ نِظامَ الجامِعة يَقضي على أعْضائِها عَدَم الزواج لِحينَ عوْدَتِهِم مِنْ دِراسَتِهِم في أوروبا !!! – قُلْتُ نَعَم – قالَ: إنَّما الأمرُ يؤْذيني ويُسَبَّبُ لي ما يُسَبِّبُ مِنْ الحَرَج – لأنَّ لي زوجة – وليْسَ أمامي إلَّا أنْ أختار بيْنها وبَيْنَ السَفَر ؟!!فَما إنْ سَمِعْتُ مِنْهُ بِأمرِ زواجِهِ الذي كُنْتُ أجْهَلَهُ فَلَمْ يَسْبِقُ لَهُ أنْ حَدَّثَني عَنْهُ – والحَقُّ قَدْ دُهِشْتُ لأنَّني فَلَمْ يَخْطُر على بالي أنَّ هُناكَ إمرأةً تَسْتَطيعُ الحياة مَعَهُ مَهْما يَكُنْ حَظَّها مِنَ الصَبْر والحِلْم أومِنَ العَفو والقُدْرة على الاحتِمال – واحتَرْتُ في تَقديم إجابة لِلسؤال الصَعْب – لَكِنَّهُ أجابَ وهو يَضْحَك – لَقَد اختَرْتُ الظُلْم بِتَطليق امرأتي ومالَها مِنْ ذَنْبٍ – حتى لا أقَعُ في الكَذِبْ !؟! لأنَّ مَنْ يَطلُبونَ العِلْمَ يَنبَغي عليهم أن يكونوا صادقين غَيْرَ كاذِبين، مُخْلِصين غَيْرَ متورطين في غِشٍّ أو خِداع ؟!؟... وهَكذا تَسَنَّى لِصاحِبي رُكوبَ البَحر – مُقْبِلًا على طَورٍ جَديد مِنْ أطوارِ حياتِهِ في طَريقِهِ إلى باريس .!؟؟!!

في سياقِ الرواية وعِنْدَ احتِكاك "أديب" بِحضارةِ الغَرْب – تَعَرَّفَ صاحِبَنا على الفتاة الفَرَنْسيَّة "إلين" تِلْكَ الفتاة المُتَحَرِّرة التي عَرَفَتْ عَنْهُ اضطِرابَهُ فيما بَيْنَ الإقبال على العِلْم والانغِماس في اللهو – فإنْ رأتْهُ مُقْبِلًا على العِلْم تُهْمِلُهُ وكأنَّها لَمْ تَعْرِفْهُ قَطْ، وإنْ رأتْهُ سادِرًا في غَيِّهِ تُعْني بِهِ كأنَّها لَمْ تَعْرِفْ غَيْرَهُ مِنْ قَبْل ...!؟! مِثْلَ دَأبِ الغَرْب في تَعامُلِهِ مَعَ الشَرْق. وباتَ أديبُنا "دُمْيَة" تَتَقاذَفُها مَعاهِدِ العِلْم وأماكِنْ اللهوِ في باريس – ولِلحَقيقة: يَجِبُ القَول بِأنَّ الخَلَل الذي عانى مِنْهُ صاحِبُنا يَعودُ بِالدَرَجة الأولى إلى طَبيعة نشْأتِهِ في مِصْر – فَهذهِ النشأة هي التي دَفَعَتْهُ إلى حالَتَهُ تِلْك – حَيْثُ لَمْ يَنشأ بِطَريقة مُنَظَّمة، ولَمْ يَعْرِف في تَربيَتِهِ و تَعْليمِهِ أُصول مُسْتَقيمة مُقَرَّرة، وإنَّما كانتْ حياتُهُ كُلَّها مُضطَرِبة أشَدَّ ما يَكونُ الاضطِراب – وهاهوَ قَدْ عَبَرَ البَحْر إلى بيئة مُغايرة لا يَصْلُح فيها الاضطِراب، ولا تقوى نَفسُهُ الضَعيفة على تَحَمُّل الحياة المُنْضَبِطة فيها – فَلَمْ يُحْسِنْ لِقائِها ولا الخُضوع لِما تَفْرِضُهُ مِنْ قُيودْ.

وَهَكَذا يَذْهَبُ "أديبُ طَهَ حُسين" في حيرَتِهِ إلى قَدَرِهِ المَحْتوم في مواجهة شَبَحْ الجُنون البَغيضْ – فَتَراهُ ما بَيْنَ الإغْراقِ في الحُزْنِ والسُرور – فإنْ أصابَهُ الحُزْن يُسْرِفُ في صُحْبَةِ الكِتاب !؟! وإنْ مَسَّهُ السُرور يُقْبِلُ على الشراب !؟! ويَنْتَهي بِهِ الأمر إلى أنْ تَتَخلَّى عَنْهُ "باريس" مِثْلَما أنْكَرَتْهُ صاحبَتِهِ "إلين" التي أعْرَضَتْ بِدوْرِها عَنْ مَحَبَّتِهِ و نَسيَتْ مَوَدَّتِهِ، وأخَذَتْ تَكيدُ لَهُ مَعَ الكائِدين ...!؟!... فالمِحْنة التي عاشَها "أديبُ طَهَ حُسين" تُصَوِّرُ لَنا العَلاقة بَيْنَ العَرَب والغَرْب – وكَيْفَ أنَّ حالة الحيرة والتَرَدُّد وانعِدامِ التوازُن تُلازِمُ "عالَمَنا العربي والإسلامي" في سَعْيِهِ لِلتَعَرُّف على "حضارة الغَرْب" فَهوَ لا يَعْرِفْ ماذا يأخُذ ..؟ ولا ماذا يَدَعْ ..؟!! مِنْ تِلْكَ الحضارة المُراوِغة الماكِرة نَتيجة لِما يَعْتَريهِ مِنْ جُمود و عَجز...ولَمْ يَزَلْ "العَرَبْ" يواجِهون تِلْكَ الحيرة إلى الآن ...!؟!... ورَغْمَ مُرور ما يَقْرُب مِنْ قَرْنٍ مِنَ الزمان على كِتابة "العَميدْ" عَنْ حيرة "صاحِبِهِ الأديب"... وكأنَّ الزَمَنِ العربي ساكِنْ لا يتَحَرَّكْ لِلأمام!!!...!؟!.
 
Advertisements
AdvertisementS