قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: اختطاف مادورو واللعبة الأمريكية الخطرة

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

ما جرى في كراكاس ليس حدثًا عابرًا يمكن إدراجه في خانة الاضطرابات السياسية التقليدية التي اعتادت عليها فنزويلا خلال العقدين الأخيرين، لقد بدا وكأنه فصل صادم من رواية جيوسياسية مكتوبة بحبر المصالح الكبرى. اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بغض النظر عن تضارب الروايات حول ملابساته الدقيقة، انفجر كقنبلة سياسية هزت الداخل الفنزويلي، وارتدت شظاياه سريعًا على فضاء أمريكا اللاتينية، ثم تجاوزته إلى واشنطن وموسكو وبكين، حيث تدار الحسابات الأوسع للصراع الدولي.

في بلد اعتاد الانقسام الحاد بين السلطة والمعارضة، جاء هذا التطور ليكسر ما تبقى من توازن هش، وليضع الدولة نفسها موضع اختبار وجودي هل ما حدث محاولة انقلاب مقنّعة؟ أم رسالة ردع خارجية؟ أم فصل جديد من حروب المنطقة الرمادية التي تدار بلا إعلان رسمي ولا رايات مرفوعة؟ الأسئلة أكثر من الإجابات، لكن المؤكد أن فنزويلا لم تعد كما كانت قبل هذا الحدث.

اللافت أن الواقعة لم تقرأ في العواصم الكبرى بوصفها شأنًا فنزويليًا داخليًا فحسب، بل باعتبارها مؤشرًا خطيرًا على إعادة فتح ملف أمريكا اللاتينية كساحة صراع دولي مفتوح. الولايات المتحدة، التي لم تخف يومًا عداءها لحكم مادورو، وجدت نفسها أمام اختبار حساس كيف توازن بين الضغط السياسي وعدم الانزلاق إلى فوضى إقليمية؟ في المقابل، راقب الحلفاء، وفي مقدمتهم روسيا، المشهد باعتباره مساسًا مباشرًا بمحور نفوذهم في نصف الكرة الغربي.

هكذا، لم يعد السؤال ماذا حدث لمادورو؟ بل ماذا سيحدث لفنزويلا، ولأمريكا اللاتينية بأسرها، إذا تحول هذا الحدث إلى سابقة تقنن كسر السيادة وإعادة تشكيل الأنظمة بالقوة الناعمة والخشنة معًا؟ هذا الحدث ليس نهاية المطاف؛ بداية مخيفة لأمور كبري تدبر خلف الكواليس..

العالم على حافة الهاوية

يبدو العالم اليوم وكأنه يقف عند تخوم نهاية تاريخية طويلة، لا تشبه الانهيارات الصاخبة بقدر ما تشبه تآكل الأساسات ببطء. فالنظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بدا وكأنه بلغ ذروته مع نهاية الحرب الباردة، لم يعد ينظر إليه باعتباره قدراً نهائياً، إنما كمرحلة عابرة في مسار أكثر تعقيداً.
في هذا السياق المضطرب الممتد، لا يمكن النظر إلى عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باعتبارها حدثاً معزولاً أو مجرد مغامرة عسكرية، بل بوصفها علامة كاشفة عن طبيعة المرحلة الانتقالية التي يعيشها العالم مرحلة يتداخل فيها فائض القوة الأمريكية مع قلق التراجع، وتختلط فيها استعراضات الهيمنة بأسئلة الشرعية والحدود.. هكذا استهل عام 2026 أيامه الأولي بأحداث صاخبة ومريعة ليست إلا بداية لأحداث أشد قوة وإرعاباً..

كراكاس في عين العاصفة

في فجر الثالث من يناير 2026، أعلنت واشنطن أن قواتها نفذت عملية عسكرية داخل الأراضي الفنزويلية أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد. العملية، التي ترافقت مع ضربات جوية وانفجارات في محيط العاصمة كراكاس، بدت أقرب إلى مشهد من زمن الحرب الباردة، لكنها وقعت في عالم يفترض أنه تجاوز منطق القبض على الرؤساء بالقوة! وداخل فنزويلا، انقسم المشهد سريعا فأنصار مادورو اعتبروا ما جرى اختطافاً وعدواناً على السيادة.. بينما المعارضة، قليلة الحجم والتأثير، رأت فيه فرصة تاريخية لإنهاء حكم مأزوم.

غير أن الأهم من الانقسام الداخلي كان السؤال الخارجي هل ما حدث تعبير عن قوة أمريكية مطلقة، أم عن قلق قوة تخشى الانزلاق إلى الهامش؟
للوهلة الأولى، يبدو الحدث دليلاً صارخاً على أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على فرض إرادتها بالقوة الصلبة، متجاوزة الحدود والقوانين. غير أن القراءة الأعمق تكشف مفارقة أكثر تعقيدا فالدول الواثقة من نظامها وشرعيتها نادراً ما تحتاج إلى عمليات صادمة لتأكيد نفوذها.
ثم إن العملية ضد مادورو جاءت في لحظة تواجه فيها الولايات المتحدة (استقطاباً داخلياً غير مسبوق، وأزمة ثقة في مؤسساتها، وتراجعاً نسبياً في قدرتها على قيادة العالم بالإجماع لا بالإكراه).. هنا، يصبح استعراض القوة محاولة لتعويض تآكل الشرعية، لا دليلاً على رسوخها.

تفتت الداخل وتآكل الشرعية الدولية

لا يمكن فصل السياسة الخارجية الأمريكية عن تشققات الداخل. فالمجتمع الأمريكي يعيش انقساماً حاداً حول الهوية والدولة والدور العالمي أولاً: استقطاب سياسي يجعل كل انتخابات معركة وجود. ثانياً: فجوة طبقية تتسع باطراد. ثالثاً: تراجع في الإيمان بالحلم الأمريكي ذاته.
مثل هذه التصدعات القديمة المستمرة تجعل من الخارج ساحة لإعادة إنتاج الإجماع المفقود. التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى، حين تهتز في الداخل، تميل إلى الاندفاع خارجياً بحثاً عن تماسك رمزي أو عدو واضح.. بهذا المفهوم، تصبح فنزويلا مسرحاً صغيراً لدراما أكبر، أمريكا تحاول إقناع نفسها والعالم بأنها ما زالت في مركز القيادة.

يحدث هذا بينما كشفت ردود الفعل الدولية تجاه اعتقال مادورو عن أزمة أعمق من الخلاف السياسي. كثير من الدول، حتى تلك غير المتعاطفة مع النظام الفنزويلي، رأت في العملية انتهاكاً صارخاً لمبدأ السيادة، وسابقة خطيرة في العلاقات الدولية، وتأكيداً على أن القواعد تطبق بانتقائية مقلقة.. هنا تتجلى أزمة النظام الدولي الليبرالي نظام قدم نفسه بوصفه قائماً على القانون، لكنه كثيراً ما استخدم القوة خارج هذا القانون. ومع تكرار هذه المفارقة، تتآكل جاذبيته الأخلاقية، حتى لدى شركائه.

أمريكا اللاتينية تختبر مصيرها

في أمريكا اللاتينية، لم يقرأ الحدث بعين اللحظة، بل بعين التاريخ. فالمنطقة تحمل ذاكرة مثقلة بالتدخلات والانقلابات المدعومة خارجياً. لذلك، جاء الغضب من دول مثل البرازيل وكولومبيا والمكسيك ليس دفاعاً عن مادورو بقدر ما هو رفض لعودة منطق "الحديقة الخلفية"، وخشية من أن يصبح التدخل قاعدة لا استثناء.. وفي المقابل، وجدت بعض الحكومات اليمينية في العملية فرصة لإعادة التموضع قرب واشنطن، ما أعاد إلى السطح انقساماً إقليمياً قديماً بين من يرى في أمريكا حليفاً ضرورياً، ومن يراها خطراً مزمناً.

روسيا والصين واستثمار اللحظة

لم تتأخر موسكو وبكين في استثمار الحدث. فبالنسبة لهما، تمثل عملية اعتقال رئيس دولة بالقوة: دليلاً إضافياً على ازدواجية المعايير الغربية، وذخيرة خطابية في معركة النظام العالمي.
روسيا، المنخرطة أصلاً في صراع مفتوح مع الغرب، رأت فيما جرى تأكيداً على أن الصدام ليس حول أوكرانيا أو فنزويلا، بل حول من يملك حق تعريف الشرعية.
أما الصين، الأكثر حذراً، فقد استخدمت الحدث لتكريس خطابها القائم على عدم التدخل واحترام السيادة، وتقديم نفسها كشريك أكثر استقراراً للدول النامية.. تلك هي المؤشرات الأولي لتصريحات حلفاء فنزويلا؛ لكن هل ستكتفي روسيا بالتصريحات. بالطبع لا؛ فهل تعود أجواء الحرب الباردة لفترة قادمة، أم تصبح أمريكا اللاتينية موطئاً لحرب ساخنة فى إطار التوترات العالمية المتنامية؟!

الدولار والنفط ولعبة الأمم

الحديث الأمريكي عن الانخراط في قطاع النفط الفنزويلي ليس تفصيلاً ثانوياً. ففنزويلا، بثروتها النفطية الهائلة، تقع في قلب صراع أوسع على الطاقة، وعلى العملات، وعلى النفوذ المالي.. في عالم يشهد محاولات متزايدة لتقليل الاعتماد على الدولار، تصبح السيطرة على موارد الطاقة أداة مزدوجة، اقتصادية وجيوسياسية. ومن هنا، يقرأ ما حدث في كراكاس كحلقة في صراع أطول حول من يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في المرحلة القادمة.
رغم كل ذلك، فإن اختزال المشهد في انهيار اقتصاد أمريكا الوشيك يبقى قراءة متعجلة. فالولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأوسع، وصاحبة النفوذ الثقافي الأكبر، ومركزاً أساسياً للتكنولوجيا والابتكار.. وما نشهده الآن ليس سقوطاً مدوياً، لكنه تراجعاً نسبياً في عالم يصعد فيه الآخرون بسرعة. الفارق أن هذا التراجع يحدث في ظل وعي عالمي أعلى، وقوى أكثر استعداداً لرفض الإملاءات.

عام سن الأسنان

ها قد أسفر عام 2026 منذ بداياته عن نواياه.. 
إن المعضلة الأعظم فيما حدث في فنزويلا، لا تتمثل فى الكراهية المتنامية ضد أمريكا ؛ الأدهي هو أن الجميع، أعداء أو حلفاء أو محايدين، سوف سينون أسنانهم تحت تأثير منطق القوة الغالب على المشهد العالمي. والمرحلة القادمة لا تتجه بالضرورة إلى فوضى شاملة، بل إلى عالم متعدد الأقطاب أقل استقراراً، وأكثر عرضة للأزمات الإقليمية والحروب بالوكالة.
في مثل هذا العالم القادم، ستصبح أحداث مثل اعتقال مادورو أقل استثناء مما نرغب، وأكثر تعبيراً عن صراع على القواعد قبل صراع على المواقع.

حقبة اهتزاز العروش

لا يمكننا اعتبار اعتقال نيكولاس مادورو مجرد ضربة في خاصرة نظام مأزوم، و مرآة عاكسة لعالم قيد التكوين. عالم تتراجع فيه المسلمات، وتختبر فيه القوة، وتعاد فيه كتابة مبادئ السيادة والشرعية. إضافة إلي المنهجية الجديدة التي اتخذتها أمريكا؛ تغيير مسمي وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب؛ وثيقة ترامب الجدلية المؤسسة لمبدأ أمريكا أولاً وليذهب باقي العالم للجحيم! تآكل التحالفات التقليدية لأمريكا، التلاشي التدريجي للمنظومة الدولية، كل ذلك ستكون له تبعات على المدي القريب والبعيد.

والسؤال الجوهري الآن هو كيف ستستخدم أمريكا هذه القوة في عالم لم يعد يقبل بها دون شروط؟
ومن يملك الذكاء الجيوسياسي لقراءة هذه اللحظة، لا بوصفها نهاية نظام، لكن بوصفها بداية لعبة جديدة بقواعد لم تحسم بعد. من يملك مثل هذا الذكاء الضروري فى عالم مضطرب قادم سيملك الفرصة للبقاء فى حقبة بدأت أحداثها باختطاف رئيس؛ مهددة عروشاً أخري بالزوال!