أولوا الألباب المعتبرون يعلمون جيدا أن هذا تعبير مجازي لإسقاطه على واقع معيشي نحياه.
أما ما دونهم فسنزيد فى التفسير والتفصيل حتى يدرك الجميع مآربنا من هذا المقال ، فلي فيه مآرب أخرى.
كنا كثيرا ما نسمع ونقرأ عن الحرباء ، وأنها من الزواحف وأنها سامة وقاتلة ، تفتك بكل ما يقع في فمها ، فضلا عن أنها تتلون متخفية بلون أي شجرة متربصة بفريستها ، أو لتؤمن نفسها من أي خطر تتوقع أنه سيحدق بها.
هكذا واقعنا المعاصر الذي نعيشه ماديا ، بمعنى نعايشه واقع نتعامل فيه مع من يحملون نفس تكويناتنا البيولوجية والفسيولوجية ويلبون مثلنا حاجاتهم الطبيعية من مأكل ومشرب وملبس وتكاثر.
لكن ثم بون شاسع بيننا في طبائعنا الروحية والوجدانية والعاطفية من دوافع وانفعالات وتواصل روحي وقلبي بالعالم الماورئي الترانستندالي المفارق الذي هو عن أهل البصيرة غاية المراد ، لكنه هو المثل العليا والخير الأقصى المنشود الذي يحقق ديمومية السعادة واستمراريتها ، أو ما يمكننا أن نطلق عليه السعادة المفارقة التي هي دون اللذة.
ومن هذا المنطلق فالمتفكر المتدبر في حاله وحال ما حواليه ، سيجد الإجابة على كثير من التساؤلات التي يطرحها العقل وتثير شجوننا ، فما قيمة حياتنا المادية التي نحياها إذا لم نستثمرها ونوظفها صعودا للوصول إلى تحقيق تواصلا مع غايتنا القصوى المتمثلة في قوله تعالى (وأن إلى ربك المنتهى).
فالغاية القصوى ونهاية هذا السعي والكد والنصب والقيل والقال إلى المنتهي ، وهذا المنتهى هو العودة إلى عالمنا الحقيقي الذي دوما ما تحن إليه وتشتاقه أرواح أهل الصفاء والوجد أولئك الذين ظاهرهم هو هو باطنهم ،.
أولئك الذين ذكرهم السهروردي المقتول واصفا حنينهم إلى مآلهم قائلا: أبدا تحن إليكم الأرواح.
ووصالكم ريحانها والراح.
إن واقعنا المعاصر الذي نحياه يعج بصنوف مختلفة من البشر ، فهناك الطيب ، وهناك الخبيث ، هناك الحسن ، وهناك القبيح.
وهناك المتلونون كالحرباوات ، الذين يدورون حيث تدور مصالحهم ، لا يهمهم أي شئ اللهم إلا تحقيق مآربهم الشخصية ، أهل المصالح الذين قد يبيعون أنفسهم دهانا ونفاقا وتلونا من أجل إرضاء أرباب نعمهم.
أولئك الذين يبدون من طرف اللسان حلاوة ويروغون منا كما يروغ الثعلب ، المداهنون الذين تستعبدهم الكراسي وتحتلهم الغرف المغلقة يقضون يومهم فى التفكير بعمق كيف يرضون أسيادهم ، من أجل ترقية أو حافز إضافي ، أو تثبيت أنفسهم في عمل ما ، لا يهمهم هذا العمل ، إنما المهم ما سيتحصلون عليه من وراء هذا العمل.
فقد يتخلون حتى عن أعراضهم من أجل مكاسب مادية سيحصلون عليها (محجوب عبد الدايم، التراجيديا الباكية، ليس مهما أن نفرط في شرفنا ، ليست مهمة الدياثة والتياسة ، المهم تحقيق الأهداف الدنيئة. رضى الباشا صاحب القلم السياسي ، صاحب الديوان ، الذي سينعم عليه ببضع عملات نقدية أو سيرقيه درجة وظيفية ، لكن ألا يعلم هذا ، أن من يتنازل عن عرضه وشرفه سيظل يتنازل طيلة عمره)
فإذا ما ترك المنصب ولى مدبرا عنه ، ويروح يخطط كيف سيستقبل رئيسه الجديد ، فيتفنن في إعداد القصائد الشعرية المادحة التي تحمل ما تحمله من كلام معسول فقد يكون صاحبنا لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا راحة فقد تكون رائحته نتنة ، فينهال عليه واصفا جماله وحسنه وحسانه ومحاسنه، وجمال رائحة العطر الذي يتعطر به.
هؤلاء وأمثالهم حرابي العصر يحيون بيننا فى شوارعنا ، في مؤسساتنا ، في جامعاتنا ، وأركز أيما تركيز على جامعاتنا.
يتلصصون على أدق تفاصيل حياتنا ، النمامون الذمامون، الهماذون (هماز مشاء بنميم)
أولئك هم الأعداء الحقيقيون لنا ، فعدو ظاهر تتغلب عليه أو حتى يغلبك خير من شيطان مستتر ، يظهر أمامك ملكا وفي ظهرك يكيد لك المكائد.
هؤلاء هم الأعداء الحقيقيون للإنسانية في أبهى صورها ، أعداء النجاح ، ومن ثم وجب الحذر منهم ومن ألاعيبهم الشيطانية.
نعم إن لكل عصر حرباواته اللواتي يتلون حسب مصالحهم ويأكلون على كل الموائد قائدهم (عاش الملك ، مات الملك)، عباد الطاغوت وطاغوتهم الذي يستعبدهم مصالحهم.!
(هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنا يؤفكون)
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.