ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

د.هبة شفيق تكتب: تدوينات الألم (4).. يوميات الألم

الخميس 05/نوفمبر/2020 - 01:51 م
صدى البلد
Advertisements

أنا لستُ بمحاربة، ولا أتمتع بدرجة عالية من الصبر، لكني أردت أن أدعم كل المرضى، وأُشجع كل من لديه قصة أن يحكيها، ربما تتشابه بعض القصص مع الأخرى، فلا يشعر كل مُتألم بأنه وحيدًا في الميدان. أردت أن أُنفس عن كل ما بروحي من طاقة سلبية وأعيد رؤية الأمور من زاوية جديدة، كل منا يجب أن يتسم بالشجاعة حتي يتمكن من دحض أحزانه، أن لا يخاف من التعبير عن نفسه، وأن يمحي إحساسه بالخجل أو النقص، وأن يخرج من دائرة إنطوائه إلى فسيح السعادة بالدنيا، ليُقبل على الحياة وتُقبل هي عليه.

تشاء الأقدار أن أُتهم بإدعائي المرض، في الموقف الذي اتهمت فيه زورا وغدرا، أتذكر قول الله تعالى في سورة فصلت الآية (35): "وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ"، فالصبر يشق على النفس، لكن من يعمل بوصية الله سبحانه بالصبر والحلم في الدنيا، سينال نصيب واسع من السعادة في الدنيا والآخرة. لكن لما سيجاز الله الصابرون هذا الجزاء والأجر العظيم؟ الصبر صعب، وأعترف أني لم أبلغ حتى الآن أي درجة ولو بسيطة من الصبر، وأعرف أن الصبر ليس جميلا، الصبر مرًا، لكن نتائجه وجزاؤه فيه حلاوة ولذة لا يذوقها إلا من صبر واحتسب.

خلال الشهرين الأوائل من فترة مرضي، نصحتني الطبيبة أن أدون الأعراض التي أشعر بها خلال اليوم من حيث شدة الألم وتكراره، ووصف الألم والدوخة التي أشعر بها، وقياس ضغطي، وغيرها من الأعراض التي كانت ظاهرة في ذلك الوقت. لم أكن أدرك الحكمة التي أرادها الله من ذلك، سوى أن تظل تلك المفكرة أمامي، تذكرني بالألم الذي كان يعصف بي خلال مرة صعبة في حياتي. إن يوميات الألم باقية في كتاب محفوظ لدى الخبير العليم حتى يأتي يوم الفصل فيبين الله الحق.

يوم 11 فبراير 2020 توجهت إلى الجامعة، تقدمت نحو القاعة التي يجلس بها طلابي، كنت مضطربة حقًا، اشتقت للمكان، أفتقد أحاديث الطلاب الجانبية، وأصواتهم المفعمة بحماس الشباب، تصرفاتهم المندفعة، وتعليقاتهم الساخرة أحيانًا. في أول محاضرة أُدرسها تملكني القلق في البداية، كنت أتساءل هل بعد فترة تعبي الطويلة سأتمكن من العمل بإخلاص من قلبي؟ هل سأستعيد النشاط والشغف؟  وبعد محاضرتين فقط كنت في قمة السعادة، بدأت أعود إلى حد ما لما كنت عليه سابقا، على الرغم من أنه يداى ترتعشان أحيانًا، افقد في أحيان أخرى اتزاني نسبيًا، وخطي في الكتابة على السبورة البيضاء غير واضح، لكني أحب عملي، وعند عودتي تأكدت بأني ما زلت على قيد الحياة.

أتذكر أنه في يوم الثلاثاء 17 مارس 2020 كان يومًا حافلا بالعمل، اجتماعات وتوزيع مهام لانجاز عدد من الأعمال المطلوبة، يومها عشت لحظات سعيدة، أوقات جمعتني بزملاء أحبهم، وأحاديث لطيفة في الطرقات. وأدركت أن ألمي الجسدي لسنوات كان يبعدني تدريجيا عن الناس.

عزيزي القارئ فقط عليك أن تبتسم في وجه المرض ولا تجعله يؤثر على تفكيرك، وأسلوبك، ونجاحك، وعلاقاتك بشكل سلبي، فلن يُقدر أي شخص مهما كان قريبًا منك مرارة ما تُعانية، فلا أحد يشعر ويحس بألمك كما تشعر أنت، ولا أحد مُستعد أن يضع نفسه في موقفك.

عزيزي القارئ ابتسم.. نعم ابتسم، لأن المرض سيُريك حقائق لم يكن ليُصدقها أو يتوقعها عقلك، سيفتح لك نافدة على حقيقة من حولك، ويؤكد واقع أن أفضل صديق للإنسان هو نفسه.

 

Advertisements
Advertisements