قال الدكتور عبد الواحد النبوي، وزير الثقافة الأسبق: «عندما تخرج ثروت عكاشة في الكلية الحربية عام 1939 عام نشوب الحرب العالمية الثانية، كان لأي شخص يتوقع أن مسار الرجل سيسير في طريق صقل مواهبه العسكرية، إلا أن الرجل الذي كان يهوى الموسيقي والفنون وتأخذ من وقته الكثير دفعته أكثر - وبشكل لافت لكل المحيطين به - للانغماس أكثر في مجالات الثقافة والفنون المتعددة وبدا أن مسيرته العسكرية ستكون لها نهاية قريبة أو أنه لن يكون من قادة العسكرية المصرية الذين تركوا سجلا عسكريا قويا، فوجدناه يحصل على دبلوم الصحافة من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) عام 1951 ويتولى رئيس تحرير مجلة التحرير خلال الفترة 1952 – 1953، وتنفتح أمامه أبواب الثقافة والفنون بشكل أكبر وأعمق عندما عمل ملحقا عسكريا خلال الفترة من 1953 – 1956 في كل من سويسرا وفرنسا وإسبانيا وهى دول لديها من المتاحف والمؤسسات الثقافية ما جعلها تخلب لب فارسنا ثروت عكاشة، وعاد إلى مصر محملا بتجارب ثقافية تركت آثارها على شعوبها وشعوب العالم».
وأضاف النبوي: «واكتمل تشبع ثروت عكاشة بتجارب الثقافة الأوربية بتعيينه سفيرا لمصر في إيطاليا 1957 – 1958 فتشبعت حواسه وامتلأ قلبه وعقله بروائع بحقب فنية وثقافية مميزة لإيطاليا منذ عصر النهضة، ولقد كانت التقارير والمكاتبات التي يرسلها ثروت عكاشة – فيما يتعلق بمجال عمله - وأحاديثه مع عبد الناصر تمتلئ بالحديث عن الثقافة والفنون بشكل لافت للنظر وجد معها عبد الناصر أن الوقت قد حان لأن ينقل ثروت عكاشة ما رآه من مؤسسات ثقافية في الخارج إلى حضن الوطن وأن بناء الانسان المصري ثقافيا ومعرفيا يحتاج إلى جهد رجل يؤمن بالفكرة ويعيش بها وفيها ليلا ونهارا، وبدون أن يتشاور عبد الناصر مع ثروت عكاشة أو يتصل به أصدر قرارا بتوليه وزارة الثقافة والإرشاد القومي، كان هو وقتها عائدا من مشاهدة أوبرا "بوريس جودونوف" في دار الأوبرا بروما ووجد عكاشة نفسه رافضا لهذا الأمر فسرعان ما عاد إلى مصر عام 1958 لعله يقنع عبد الناصر بالرجوع عن قراره، وقد فشل في ذلك فقد أقنعه ناصر وبدد مخاوفه مما يحاك لأصحاب المناصب الوزارية وأكد على دعمه له وأنه قد حان الوقت ليطبق ما رآه في الخارج داخل مصر وأنه إنما أرسله لهذه الدول ليس إلا ليزداد معرفة بنظمها الثقافية».
وأكد أنه: «استطاع ثروت عكاشة أن ينطلق بالثقافة المصرية بعيدا خلال توليه الوزارة أكثر من مرة ما بين عامي 1958 1962 ومرة أخري ما بين عامي 1966 – 1970 هذا علاوة على توليه منصب مساعد رئيس الجمهورية للشئون الثقافية 1970 – 1972، فقد عمل على إعادة هندسة كيانات الثقافة المصرية وإنشاء كيانات جديدة وكل ذلك مازال قائما حتى الآن، بل وهو أدوات وزارة الثقافة في القيام بدورها، ولعل من أهم ما قام به ضم الجامعة الشعبية من وزارة المعارف إلى وزارة الثقافة وتحويل اسمها إلى الثقافة الجماهيرية لتتفق مع انطلاقتها الجديدة كما نقل دار الكتب المصرية من نفس الوزارة إلى وزارة الثقافة ودمجها مع دار الوثائق القومية، وعلى هذا الطريق صار فرأينا كيانات تنضم للوزارة الجديدة وأيضا إنشاء كيانات جديدة مثل إنشاء أكاديمية الفنون وإرسال البعثات لها للخارج لجعلها مؤسسة قوية تخرج أجيال تقود الثورة الثقافية والفنية التي يحتاجها المجتمع، وأولى اهتماما كبيرابالفنون الشعبية وأنشأ العديد من المتاحف، وفرق دار الأوبرا المختلفة وأياديه بيضاء على الآثار المصرية في إنقاذ المعابد والآثار وترميمها وإتاحتها للزائرين، وقدم أجيالا جديدة من المثقفين والادباء واكتشاف المواهب ورعايتها من الفنانين وصانعي الثقافة».
وتابع: «واعترف ثروت عكاشة بفضل من سبقوه في إيجاد مؤسسات ثقافية وأنشطة ثقافية وفنية استطاع من خلالها على إعادة التناغم بين المكونات الثقافية المختلفة وأصبح لها دور وهدف ومهمة ولا نتجاوز إذا قلنا أن ثروت عكاشة أسس الأعمدة الذهبية للثقافة المصرية ولا نغالى إذا أكدنا على أن التطور والاضافة التي لحقت بها بعد انتهاء زمن ثروت عكاشة لا تتناسب مع ما مر على الثقافة من تطور وتغيير رغم ما توفر لها من وقت وما توفر لها أيضا من أموال منذ أن ترك عكاشة إدارة الشأن الثقافي في أوائل سبعينيات القرن العشرين أي منذ ما يزيد على خمسين عاما، فقد افتقدت الثقافة المصرية رؤى خلاقة تنقلها لنقلة جديدة تضاهى أو تتجاوز فترة عكاشة».
ولفت إلى أن عكاشة أخذ السينما والمسرح إلى أعماق الريف المصري، وفتح الباب أمام مبدعين مصريين يعيشون في أقاصي مصر في الكفور والنجوع وجعل منهم مشاعل ثقافية، وجمع بين الثقافة الرفيعة والفنون الشعبية.