قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب : فتاة الصدفة

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

منذ بضعة أيام، وأثناء عودتي إلى مدينة منيا القمح التابعة لمحافظة الشرقية حيث أعيش، قادماً من زيارة لإحدى القرى المجاورة، استقليتُ مواصلة عامة تربط بين بعض القرى والمدينة؛ وكانت السيارة بها فتاتان فقط، تبدوان طالبَتَين في المرحلة الثانوية. إحداهما تحاول التماسك قدر طاقتها، قبل أن تخذلها دموعها فتنساب قسراً أمامي، راسمةً على وجهها المنكسر آثار صدمة عاصفة وألماً دفيناً يحطم تماسكها الهش. حين نظرت إليها، دفعني وازع مسؤوليتي كأب، ومهنيتي ككاتب عمل لسنوات في أدب الرسالة إلى سؤالها بلطف: «يا ابنتي، ما مشكلتك؟ ولماذا هذا البكاء؟ أنا مثل والدك، احكي لي وسأساعدك مهما كانت معاناتك».

​لم تجد الفتاة أمام طمأنتي لها سوى الانهيار والبوح بتفاصيل مأساتها؛ إذ أفصحت عن شاب من قرية مجاورة لقريتها اعتاد ملاحقتها وانتهاز فرصة وجودها بأي سيارة أجرة تمر بمسار إجباري من قريته، لينهال عليها بوابل من التجريح والألفاظ الخادشة لأنوثتها وتعففها. كما أكدت زميلتها صدق ما روت، فما كان مني إلا أن طلبتُ رقم هاتف والدها، ووعدتها بالتدخل لإنهاء عذابها.

قبل نزولي بمدخل المدينة، وفور ترجلي، هاتفتُ والدها وأطلعته على ما جرى، ثم طالبته بالتروي وعدم الاندفاع، مؤكداً مساندتي له في استعادة حق ابنته - لكنني تفاجأتُ بأن هذا الفتى المراهق يصغرها سناً، وأنه كرر فعلته قبل أشهر، وقتما تعهد والده بتقويم سلوكه. 

وأضاف والد الفتاة أن غايته كانت تنشئة أبنائه على التعفف لتكون فضيلتهم حصناً لهم؛ غير أنه وبلهجة يملؤها الأسى الممزوج بالبساطة أسرَّ لي قائلاً: «أنا يا أستاذ ربيتهم على الستر والتهذب، وبنتي لا معها هاتف محمول ولا تعرف طريق المشاكل، وشغلي في السوق علمني البعد عن الصدام وأن أجلب حقي بهدوء وتفكير؛ لكن الظاهر إني غلطت لما ما علمتهاش إزاي ترد الكلمة بالكلمة وتدافع عن نفسها، وكنت فاكر الدنيا بتمشي بالمعروف، بس واضح إني كنت غلطان والمرة دي مش هسكت».

​بعد سويعات قليلة، تلقيتُ اتصالاً منه يخبرني بأن والد الفتى المعتدي يرافقه ويستمع للمكالمة، ويريد الوقوف على شهادتي. فنقلتُ لهما المشهد المحزن بكل أمانة، وأكدتُ بأن الفتاة كانت في حالة لا يُرثى لها وتنبئ بأنها قد تؤذي نفسها إذا لم ينصفها أحد ويعيد لها كرامتها أمام زميلتها على الأقل وربما آخرون، وشددتُ أمامهما بلهجة قاطعة أنني سأتدخل شخصياً بما لا يرضيهما إن لم يقم والد الفتى بردع ابنه ردعاً حقيقياً يمنعه من التمادي، لا مجرد تهديد واهٍ كما حدث سابقاً.

​في اليوم التالي، طمأنني الأب بأن والد الفتى حضر من قريته بسيارتين محملتين بخيرة الرجال لاسترضاء الفتاة وأبيها بمنزلهم، وقام بتوبيخ ابنه وأوسعه ضرباً أمام الجميع، مع تحذير نهائي من مجرد التفكير في النظر للفتاة أينما التقاها، وعليه بأن يدرك أن تكرار فعلته تعني تحويل الأمر للشرطة وقانون الدولة. وختاماً، سألتُ الأب عما إذا كانت ابنته تنوي إخباره بما حدث قبل حديثي معها بالسيارة، فنفى تماماً هذا الأمر، مؤكداً خشيتها من التسبب في صراع كارثي بيني وبين هذا الشاب الصغير المتهور أو أهله إذا أخبرتني بما حدث. هنا تنتهي القصة عزيزي القارئ، التي شعرتُ بأنني أتحمل مسؤولية نقلها لك كما حدثت أمامي، حتى يعيش كل أب وتتخيل كل أم مدى هشاشة الجدران التي نبنيها حول أبنائنا إذا لم نزودهم بـ«درع الوعي» لمواجهة عواصف الحياة.

إن مأساة هذه الفتاة - بكل ما حملته من انكسار- ليست حدثاً عابراً في سيارة أجرة، بل هي جرس إنذار يتردد صداه في بيوتنا جميعاً. لقد أورثناهم الطيبة، لكننا نسينا أن نمنحهم القدرة على مواجهة «الشر» بوعي لا بضعف، وبصلابة لا بانسحاق. نحن لا نحتاج إلى تربية أبناء «مُسالمين» فحسب، بل إلى تنشئة أجيال تمتلك مهارة الحماية الذاتية. ويبدأ الأمر من "بيت الحوار"، بعد كسر حاجز الخوف الذي يمنعهم من البوح. فإذا لم نكن نحن الملاذ الأول، سيلوذون بالصمت القاتل والمدمر. علموا أبناءكم أن "الستر" لا يعني السكوت عن الأذى، بل يعني الثقة في حمايتكم.

اجعلوا الحوار يومياً حول كل التفاصيل؛ لا تسألوهم عن الدرجات المدرسية فقط، بل اسألوهم عن مشاعرهم وتجاربهم اليومية. شجعوهم على "المواجهة اللفظية"؛ علموا بناتكم وأبناءكم أن الكلمة الجريئة التي تُقال في لحظتها، بوقار وثبات، هي أقوى سلاح لكسر شوكة المتنمرين. أخبروهم أن طلب المساعدة من شخص ناضج عند التعرض لأذى ليس "ضعفاً"، بل هو قمة الشجاعة والحكمة. إن مسؤوليتنا لا تتوقف عند توفير المأكل والمشرب، بل تمتد لتسليحهم بالقدرة على "قراءة نوايا الآخرين"، وبناء مسافة آمنة بين براءتهم وبين قسوة الشارع. وتذكروا دائماً، أن ابنكم الذي يمتلك القدرة على صد الإساءة بكلمة صلبة، هو ابن لا يخشى عليه من عواصف الدنيا، لأن حصنه الحقيقي ليس في عزله عن الناس، بل في وعيه بكيفية التعامل معهم.