نصنع وعينا اليوم في ساحة مزدحمة لا تشبه ساحات التفكير القديمة، بل تشبه سوقًا صاخبة تتغير لافتاته كل ساعة.
زمن الترند لا يمنح الإنسان فرصة التأمل، بل يدفعه دفعًا إلى التفاعل السريع وإبداء الرأي قبل الفهم،د والمشاركة قبل السؤال. في هذا المناخ، لم يعد الخطر الحقيقي هو غياب المعلومة بل غياب القدرة على التمييز بين ما يستحق الانتباه وما يُفرض علينا قسرًا.
الترند لا يصنع الأفكار، لكنه يحدد ما يُرى وما يُهمَل. هو آلية انتقاء قاسية ترفع موضوعات بعينها إلى الصدارة لا لأنها الأعمق أو الأصدق، بل لأنها الأكثر إثارة والأسرع انتشارًا والأقدر على جذب الانتباه اللحظي. ومع التكرار يتحول هذا الإختيار المفروض إلى وعي زائف يظن فيه الفرد أنه اختار موقفه بحرية، بينما هو في الحقيقة استجاب لمسار مُعدّ سلفًا.
أخطر ما في زمن الترند أنه يُقنعنا بأن التفاعل وعي، وبأن إبداء الرأي موقف، وبأن المشاركة موقف أخلاقي. نضغط زر الإعجاب فنشعر بالرضا ونكتب تعليقًا سريعًا فنظن أننا شاركنا في صناعة الحقيقة، بينما يظل التفكير الحقيقي مؤجَّلًا مؤلمًا وغير مرغوب فيه.
الوعي بطبيعته،ط عملية بطيئة تتطلب شكًّا ومسافة وقدرًا من العزلة المؤقتة عن الضجيج وهي شروط تتناقض تمامًا مع منطق الترند.
صناعة الوعي في هذا السياق تبدأ أولًا بالقدرة على التوقف. التوقف عن التفاعل الفوري وعن الانجرار وراء الإنفعال الجماعي وعن الخوف من أن نفوّت شيئًا.
ليس كل ما ينتشر يستحق أن يُناقَش، وليس كل قضية مطروحة علينا هي قضيتنا الحقيقية. الوعي فعل اختيار، لا فعل استجابة تلقائية.
ثم تأتي مهارة السؤال. السؤال عمّا يُقدَّم لنا عمّن يستفيد من انتشاره، عمّا يُخفى خلف العناوين الجذابة والصور المبتورة.
الترند يعيش على السطح، أما الوعي فيبحث عمّا تحته وكلما تدرّب الإنسان على السؤال تراجع تأثير الصدمة وخفّ سحر العناوين الصاخبة.
ولا يقلّ عن ذلك أهمية استعادة الزمن الداخلي للفهم. القراءة المتأنية والاستماع الطويل والعودة إلى مصادر متعددة ليست ترفًا ثقافيًا، بل مقاومة حقيقية لسطوة اللحظة.
فالوعي لا يُبنى في خمس عشرة ثانية، ولا يُختزل في مقطع مجتزأ ولا يُقاس بعدد المشاركات، بل بعمق الفهم واتساع الرؤية.
في زمن الترند، يصبح الصمت أحيانًا موقفًا والتريث شجاعة ورفض الإنخراط فعل وعي.
أن تختار ألا تشارك، وألا تُعلّق، وألا تُبدي رأيًا قبل أن تتضح لك الصورة، فهذا في حد ذاته مقاومة هادئة لمنطق القطيع الرقمي.
نصنع وعينا اليوم حين نستعيد إنسانيتنا في مواجهة الخوارزميات، وحين نُدرك أن ما يُراد لنا أن نراه ليس بالضرورة ما يجب أن نراه، وأن الحرية الحقيقية لا تكمن في كثرة الخيارات المعروضة، بل في قدرتنا على الإختيار خارج ما يُفرض علينا.
في عالم يحكمه الترند يصبح الوعي فعلًا شاقًا، لكنه الفعل الوحيد القادر على إنقاذ الإنسان من التحول إلى مجرد صدى.