تتجلى القدرة الإلهية في رحلة الإسراء والمعراج؛ حيث أُسريَ بالنبي ﷺ من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف ثم عُرجَ به ﷺ إلى السماوات العلى، في رحلة تكريمٍ عظيمة تثبيتا لفؤاده وتسلية لقلبه ﷺ.
التهيئة للرحلة وشق صدره الشريف ﷺ
تبدأ الأحداث والنبي ﷺ في مكة (في الحطيم أو عند البيت)، حيث جاءه جبريل عليه السلام ومعه ملائكة آخرون، فقاموا بشق صدره الشريف وغسل قلبه بماء زمزم وملئه بالحكمة والإيمان استعدادًا لهذه المعجزة.
قَالَ رسول الله ﷺ: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشُرِحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا - قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعْنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِهِ -، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً» [أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٦٤)].
ركوب البراق وبداية الإسراء
وبعد اكتمال التهيئةُ الروحية، جُهِّز لرسول الله ﷺ "البراق"، تلك الدابةُ التي تفوقُ الوصفَ سرعةً وبهاءً، تضعُ حافرها حيث ينتهي بصرُها، طاويةً الأرضَ طيًا تكرمةً لراكبها، وانطلق ﷺ بصحبةِ أمين الوحي جبريل، قاطعًا الفيافي نحو الأرض المقدسة، وفي طريقه، نزل الحبيبُ في محطاتٍ مباركةٍ، رابطًا بين مهبطِ الوحي ومنازلِ الأنبياء؛ فصلى في "طيبة" مهاجره المستقبلي، وفي "طور سيناء" حيث كُلِّم موسى، وفي "بيت لحم" مهد المسيح، واختار "اللّبن" علامةً على الفطرة السليمة التي جاء بها دينُه.
وعن ركوبه ﷺ للبراق ومحطات الرحلة، قال ﷺ: «ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ» [أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٦٤)].
وقال ﷺ: «فَرَكِبْتُ وَمَعِي جِبْرِيلُ عليه السلام، فَسِرْتُ، فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَفَعَلْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ، وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ، حَيْثُ كَلَّمَ اللهُ عز وجل مُوسَى عليه السلام، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ، فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عليه السلام، ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ» [أخرجه النسائي في سننه رقم (٤٥٠)]
الصلاة بالأنبياء في بيت المقدس والمعراج
وعند وصول الركبِ المباركِ إلى بيت المقدس، عُقد أعظمُ اجتماعٍ في تاريخ البشرية؛ حيث جُمع الأنبياء والمرسلون لاستقبال إمامهم وخاتمهم، وهناك، قدَّم جبريلُ عليه السلام سيدنا محمدًا ﷺ ليؤمَّ إخوانه الأنبياء، إعلانًا لسيادته وإمامته للعالمين، ثم بدأت رحلةُ الصعودِ (المعراج) عبر طباقِ السماوات؛ فاستفتح جبريلُ أبوابَ السماءِ بابًا تلو الآخر، لتتزين السماواتُ بلقاء الحبيب ﷺ، وفي كل سماء، كان يلقاه الأنبياء بالترحاب والتوقير، من آدم أبي البشر إلى إبراهيم الخليل عليهما السلام، مُرتقيًا في مقاماتِ الشرف حتى وصل إلى سدرة المنتهى، حيث رأى من آيات ربه الكبرى ما لا يحيط به وصف.
يصف لنا النبي ﷺ إمامته وصعوده فيقول: «ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجُمِعَ لِي الْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ، ثُمَّ صُعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» [أخرجه النسائي في سننه (٤٥٠)]
وقال ﷺ: «ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا، فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﷺ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ عز وجل: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ ﷺ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عليه السلام، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ﷺ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﷺ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى»
فرض الصلاة والتخفيف
وفي ذروةِ هذا القرب، وفوق سبعِ سماوات، تلقى النبي ﷺ أجلَّ هديةٍ لأمته، وهي "الصلاة"، فَفُرِضت أولَ الأمرِ خمسينَ صلاة، ليكون العبدُ في صلةٍ دائمةٍ بربه، ولكن رحمة الله تجلّت، ثم ظهرت شفقةُ سيدنا رسول الله ﷺ بأمته آخذا بنصيحةُ أخيه سيدنا موسى عليه السلام؛ فظل الحبيبُ يترددُ بين ربه عز وجل وسيدنا موسى عليه السلام سائلًا التخفيف، حتى استقرت على خمس صلواتٍ في الأداء، وخمسين في الأجر والثواب، فضلًا من الله ونعمة.
وعن تفاصيل هذا التكليف والرحمة فيه، قال ﷺ: «فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تبارك وتعالى وَبَيْنَ مُوسَى عليه السلام حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ».
العودةُ وتصديقُ الصِّديق
عاد النورُ ﷺ إلى مكة قبل أن يرتدَّ إليه طرفُه، يحملُ في صدره يقينَ المشاهدة وأسرارَ الملكوت، وفي الصباح، أخبر قومَه بما رأى، فقابلته قريشُ بالتكذيب والاستهزاء لضيقِ عقولهم عن استيعاب المعجزة، حتى ارتد بعضُ من لم يتمكن الإيمانُ من قلوبهم، ولكنَّ المعدنَ الأصيل يظهرُ عند الشدائد؛ فحين هُرع الناسُ إلى أبي بكرٍ يخبرونه، لم يتردد لحظةً، وقال كلمتَه الخالدة: "إن كان قاله فقد صدق"، فاستحق بها لقب "الصِّديق"، ثم أقام النبي ﷺ الحجةَ على المكذبين بوصف تفاصيل بيت المقدس بدقةٍ أذهلتهم، وبخبرِ عيرهم التي مرَّ بها، فبهت الذي كفر، وسطع نورُ الحق.
يقول ابن هشام رحمه الله في سيرته واصفًا هذا المشهد: "فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ. فَقَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ: هَذَا وَاَللَّهِ الإِمْر٥ الْبَيِّنُ، وَاَللَّهِ إنَّ الْعِيرَ لَتُطْرَدُ، شَهْرًا مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ مُدْبِرَةً، وَشَهْرًا مُقْبِلَةً، أَفَيَذْهَبُ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ؟! قَالَ: فَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ، وَذَهَبَ النَّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَصَلَّى فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ؛ فَقَالُوا: بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ في المسجد يحدث النَّاسَ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ ذَلِكَ! فَوَاَللَّهِ إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي أَنَّ الْخَبَرَ لَيَأْتِيهِ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدِّقُهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ مِمَّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ. أحدَّثت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنَّكَ جِئْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"؛ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَصِفْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ جِئْتُهُ قَالَ الْحَسَنُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَرُفِعَ لِي حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ» فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصِفُهُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، كَلَمَّا وَصَفَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى إذَا انْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ»؛ فَيَوْمَئِذٍ سَمَّاهُ الصِّدِّيقَ".[سيرة ابن هشام (٢/ ٣٤)]
واستهلت تلك الرحلةُ القدسية بفيضٍ من العناية الربانية، حيث شُرِّف الجسدُ الطاهر بشق الصدر في مكة، وغُسل القلبُ الشريف بماء زمزم؛ ليكون وعاءً يتلقى أسرار الملكوت، ثم امتطى الحبيبُ ﷺ "البراق" بصحبة الأمين جبريل، طاويًا الأرضَ نحو بيت المقدس، مارَّا في طريقه بمواطن النور كطور سيناء وبيت لحم، ليقف في محراب الأقصى إمامًا للمرسلين، في مشهدٍ أقرَّت فيه الأرضُ بسيادته.
ومن الأرض المباركة، كان العروجُ إلى السماوات العُلا، حيث فُتِّحت له أبوابُ السماء، واحتفى به الأنبياءُ في كل سماءٍ ترحيبًا وتكريمًا، مرتقيًا في مقامات القرب حتى بلغ سدرة المنتهى، وهناك كانت "الصلاة" تحفةَ اللقاء، فُرضت خمسين، وما زال نبي الرحمة يراجع ربه شفقة بأمته حتى استقرت خمسًا في العمل وخمسين في الأجر، وحين عاد ﷺ إلى مكة، انقسم الناس؛ ففاز أبو بكرٍ بمقام "الصِّدِّيقية" ليقينه الراسخ، بينما حُجبت قريشٌ بظلمة الإنكار، رغم إقامة الحجة عليهم بوصفه ﷺ لبيت المقدس وصفَ مَن رآه وخبر تفاصيله.



