نريد أن نجدد وعاء المعرفة، في خضم الحفاظ على الثوابت؛ فالإبداع يتأتى من رحم الأصالة، والثراء الذهني مشربه بوابة العلم، عبر بنيته الرصينة، التي يضاف لمعينها كل لحظة من الزمن؛ لذا فقد أضحت عقولنا في احتياج إلى تخصيب؛ كي تصبح قادرة على التوليد، والتحليل، والاستنتاج، والاستنباط، والفهم العميق؛ لنخرج من ضحالة، ونمطية التعاطي مع المعلومات إلى باحة، تساعد على اجترار الأفكار، واشتعال فتيل الابتكار، وتكوين مهارات النقد البناء؛ ومن ثم نتخلى عن عادة العزوف، ونتمسك بجدية المطالعة، عبر بوابة القراءة من مصادرها الموثوقة، والموثقة؛ لنظفر بمناعة ثقافية، تحمينا من محاولات الاستلاب؛ فنرى صورة المستقبل المزدهر، ونستمر في مسيرة نهضتنا، والإضافة إلى رصيد حضارتنا العامرة.
تخصيب الخيال لا نعني به مرحلة دون أخرى من حياة الإنسان المنتج؛ فهي شمولية؛ لذا نأمل في استدامة الحركة الذهنية الحيوية، التي تمكن العقل من أن يولد الحلول، ويستقرئ رؤى طموحة للمستقبل، ولا يتوقف عند تحديات، أو أزمات، مهما تفاقمت، وزادت وتيرتها؛ وهنا أرى أن تغذية المُخَيِّلة، تستهدف تعزيز روافد المشكلة، للمعرفة، والمترجمة لممارسات إيجابية، والملهمة للوجدان في سياقه الراقي؛ ومن ثم تصبح الأذهان على جاهزية متجددة؛ لخوض غمار الإثارة؛ فيتم شحذ القرائح المنتجة؛ لفيض من الأفكار الملهمة، والبناءة، وهنا تصل المدارك، وتصبح قادرة على فرز الغث من الثمين؛ فلا يضيرها على الدوام المغلوط، أو المشوب.
أعتقد أن عملية تخصيب الخيال مقصودة، تقوم على سيناريو مرن، يستثير العقول، ويستثمر الطاقات، ويغذي الوجدانيات، وجرّاء ذلك، تغدو عمليات الإحساس الوراء معرفية في استشراف ملامح الأفكار؛ حيث تتباين الرؤى، وتتسع الآفاق، وتزداد التصورات، وتتدافع التمثيلات! فتفتح فرص الاختيار من بين بدائل، تحمل الطموح، وتتواكب مع طيف الأخيلة وفق تطلعاتها، وهذا ما يجعلنا قادرين على ترجمة النتاج العقلي لواقع ملموس، تراه العيون، وتتدبره الأذهان، ويعظم منه أولو الألباب، وبالطبع تحدث المفارقة ما بين قويم، تأتي به القريحة، وقليل جدوى، لا يستحق العناء.
المقارنة بين تخصيب الخيال، والبقاء على حالة الجمود الفكري فارقة، دون أدنى شك؛ فهناك من يرى في كل أزمة، ومحنة، وتحدٍّ، فرصة سانحة للمنحة، وفي المقابل هناك من يعجزه أمره، ولا يستطيع العطاء عند مواجهة ما يعيق تقدمه، وهناك من يفتح بابًا في جدار صامت، وآخر لا يرهق تفكيره، وذهنه بهذا الشأن؛ لذا أضحى ثمرة قدح الأذهان، الصورة النموذجية، التي ينبغي أن يتحلى بها الأبناء في ظل واقع، مليء بالضغوط، ومزدحم بالتوترات؛ فما ننشده هو العمل على خلق بيئات، نستثمر فيها مقدراتنا البشرية؛ لتصبح مؤهلة للحاضر، والمستقبل.
نريد أن نصنع جيلًا ذا خيال خصب، يستطيع أن يمتلك أدوات رسم السيناريوهات؛ فيتوقع، أو يستشرف المستقبل، ويصبح على جاهزية؛ لمواجهة تموجاته، وهذا ما يُعرف لدينا بالفكر الاستباقي، أو الاستراتيجي؛ فلا مغزى من صندوق، يحفظ البيانات، ويصون المعلومات؛ لكن الأهمية البالغة، تكمن في منظومية التعاطي، الناتج عنها ثمار يانعة، متجددة، عبر بوابة الأطياف؛ لذا نصبح منتجين، لا مستهلكين للمعرفة، ونطمئن على مقدرتنا في تعظيم اقتصاديات، باتت لا تُقَدّرُ بثمن، بل صار الاستثمار في هذا المجال مفضلاً، ومقدمًا عن موارد طبيعية، لها قيمة مرتفعة في الأسواق.
تعالوا بنا نهرول إلى تدشين مجتمعات، تستثمر في الخيال؛ لنتحول من مسيرة الاستهلاك إلى طريق مُفْعم بالإنتاج، ونحمي مقدّراتنا البشرية من الوقوع في براثن المضلين، والضالين، ونمدهم بالأطر الفكرية، الآمنة والمعززة للقومية، والهويّة؛ فما أخطر من التقوقع حول المحتوى الفارغ من مضمونه، وما أصعب! من محاصرة للخيال نتيجة، لإهمال ترك مساحات، تسمح بقدح الأذهان، وما أحوجنا! لمتنوع الفنون المغذية للوجدان.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.