في زمنٍ تتراجع فيه الأسئلة الكبرى أمام ضجيج الشعارات، يظل اسم الدكتور مراد وهبة، الذي وافته المنية الساعات الماضية، حاضرًا بوصفه واحدًا من أبرز الأصوات التي اختارت أن تقف في صف العقل، مهما كانت كلفة هذا الاختيار، لم يكن فيلسوفًا منعزلًا في برجٍ عاجي، ولا أكاديميًا يكتفي بإعادة إنتاج ما كُتب، بل مفكرًا اشتبك مع واقعه، ودفع ثمن أفكاره، واعتبر التنوير معركة يومية لا شعارًا للاستهلاك الثقافي.
وُلد مراد وهبة في 13 أكتوبر 1926 بمدينة أسيوط، في قلب صعيد مصر، حيث تتشابك التقاليد الصارمة مع الإيمان الشعبي العميق، هناك، في بيئة بعيدة ظاهريًا عن الجدل الفلسفي، بدأ وعيه المبكر بالتناقض بين ما يُقال وما يُفكَّر فيه. كان السؤال، منذ بداياته، هو البوابة التي عبر منها إلى الفلسفة، لا بوصفها علمًا مجردًا، بل كأداة لفهم العالم وتفكيك تناقضاته.
من الجامعة إلى ساحة الفكر العام
درس وهبة الفلسفة في جامعتي القاهرة وعين شمس، قبل أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، ليبدأ بعدها مسيرة أكاديمية طويلة أستاذًا وبروفيسورًا للفلسفة بجامعة عين شمس. غير أن الجامعة لم تكن، بالنسبة له، نهاية الطريق، بل بدايته، فقد رأى مبكرًا أن أزمة الفلسفة في العالم العربي لا تكمن في ضعفها النظري، بل في عزلتها عن المجال العام.
كان حريصًا على أن تخرج الفلسفة من قاعات الدرس إلى قلب المجتمع، وأن تتحول من خطاب نخبوي إلى أداة نقدية تمسّ قضايا الناس اليومية: التخلف، الاستبداد، العنف، وتديين السياسة، ومن هنا جاءت كتاباته التي أثارت جدلًا واسعًا، مثل جرثومة التخلف والأصولية والعلمانية، حيث لم يهادن الخطاب السائد، ولم يسعَ إلى إرضاء أحد.
ابن رشد.. الفكرة التي تحولت إلى مشروع
يشكّل ابن رشد محورًا مركزيًا في مشروع مراد وهبة الفكري، لكنه لم يتعامل معه باعتباره فيلسوفًا تراثيًا يُستدعى للزينة الثقافية، بل بوصفه نموذجًا عقلانيًا قادرًا على مخاطبة الحاضر، كان يرى أن نجاح ابن رشد في أوروبا، عبر ما عُرف بـ«الرشدية اللاتينية»، لم يكن مصادفة، بل لأن الغرب أدرك قيمة العقل النقدي الذي دعا إليه.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، صعّد وهبة من دعوته لإحياء فلسفة ابن رشد، معتبرًا أنها تمثل جسرًا حقيقيًا بين الغرب والمجتمع الإسلامي، وأنها القادرة على تفكيك خطاب الصدام الحضاري، فالعقل، في تصوره، هو اللغة المشتركة الوحيدة القادرة على إنتاج السلام، لا النصوص المغلقة ولا الحقائق المطلقة.
حكايات من الكواليس الفكرية
يُعرف عن مراد وهبة أنه كان مثيرًا للجدل في كل المنصات التي حضرها، سواء داخل المجلس الأعلى للثقافة، الذي كان عضوًا فيه، أو في الندوات العامة، لم يكن يجامل، وكان يرفض اللغة الرمادية، معتبرًا أن الموقف الفكري الواضح هو شرط الاحترام الحقيقي.
في إحدى جلساته الشهيرة، حين طُرح سؤال حول «حدود العقل»، رد قائلًا: «العقل لا حدود له، الذي له حدود هو الخوف»، جملة تلخص فلسفته، وتفسر في الوقت نفسه حجم الهجوم الذي تعرّض له من تيارات رأت في مشروعه تهديدًا مباشرًا لسلطتها الرمزية.
«الحقيقة المطلقة».. أخطر الأوهام
من أكثر المفاهيم التي اشتبك معها مراد وهبة مفهوم «الحقيقة المطلقة»، الذي أفرد له كتابًا كاملًا، لم يكن هجومه موجهًا ضد الدين في ذاته، بل ضد تحويله إلى أداة امتلاك للحقيقة، وإقصاء للآخر. كان يرى أن ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية هو المدخل الطبيعي للعنف، سواء كان دينيًا أو أيديولوجيًا.
ولهذا ربط دائمًا بين الأصولية والاستبداد، معتبرًا أن كليهما ينبع من المصدر نفسه: الخوف من السؤال، وفي هذا السياق، لم يتردد في نقد الخطاب الثقافي الرسمي حين رآه متواطئًا مع الجمود، أو عاجزًا عن مواجهة التطرف.
التنوير كمعركة شخصية
عام 1994، أسس مراد وهبة الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير العام، في وقت لم يكن فيه التنوير مفهومًا رائجًا أو مرحّبًا به. كان يدرك أن المشروع سيواجه مقاومة شرسة، لكنه كان مؤمنًا بأن التاريخ لا يتحرك إلا عبر المغامرين فكريًا.
لم يسعَ إلى الشعبية، ولم يبحث عن الجوائز، رغم أن اسمه ورد في موسوعة الشخصيات العالمية باعتباره من بين 500 شخصية الأكثر شهرة وتأثيرًا، كان يعتبر أن القيمة الحقيقية للمفكر تقاس بقدرته على إزعاج اليقين، لا بعدد المصفقين.
إرث مفتوح وأسئلة لا تنتهي
ترك مراد وهبة خلفه عشرات الكتب والدراسات، من المذهب في فلسفة برجسون إلى فلسفة الإبداع ومستقبل الأخلاق، لكنها ليست مجرد عناوين في مكتبة، إنها حلقات في مشروع واحد، هدفه الأساسي تحرير العقل من الخوف.
ربما يكون إرثه الأهم أنه أعاد طرح السؤال الجوهري: هل نملك الشجاعة لنفكر بأنفسنا؟
في زمن تتكاثر فيه الأصوات، ويضيق فيه مجال العقل، يبقى مراد وهبة شاهدًا على أن التنوير ليس مرحلة تاريخية انتهت، بل معركة مستمرة، وأن الفلسفة، حين تكون صادقة، لا تعيش في الماضي، بل تزعج الحاضر وتفتح أبواب المستقبل.

