قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الرعاية الصحية في مصر.. واقع يتغيّر بشهادة التجربة من الداخل والخارج

الرعاية الصحية في مصر
الرعاية الصحية في مصر

ظل ملف الرعاية الصحية في مصر لسنوات طويلة حاضرًا في دائرة الجدل والنقد، باعتباره أحد أكثر الملفات ارتباطًا بحياة المواطنين اليومية. هذا الجدل لم يختفِ، ولا تزال التحديات قائمة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيّرًا تدريجيًا في واقع المنظومة الصحية، تغيّر لم يعد يُقاس فقط بالخطط أو التصريحات، بل بما يراه المواطن ويعيشه داخل المستشفيات والمراكز الطبية.

اللافت أن هذا التحوّل لم يظهر فقط في تجارب المصريين، بل امتد إلى شهادات قادمين من الخارج، مصريين وغير مصريين، اختاروا تلقي العلاج داخل مصر، سواء لأسباب طبية أو لظروف إنسانية طارئة. كثير من هذه الشهادات، التي انتشرت بشكل عفوي على منصات التواصل الاجتماعي أو في أحاديث شخصية، عبّرت عن دهشة إيجابية من مستوى الرعاية الطبية، وكفاءة الأطباء، وسرعة التدخل، خاصة عند مقارنتها بتجارب علاجية في دول تُصنّف ضمن الأفضل عالميًا.

هذه الشهادات أعادت طرح سؤال مهم: هل الصورة الذهنية السائدة عن الرعاية الصحية في مصر ما زالت تعكس الواقع الحالي؟ أم أن هناك فجوة بين ما يُتداول وما يحدث فعليًا على أرض الواقع؟

جزء كبير من الإجابة يرتبط بالتطور الذي شهدته المنظومة الصحية خلال السنوات الماضية، سواء من حيث الاستثمار في البنية التحتية، أو توسّع مظلة التغطية الصحية، أو تحسين نظم التشغيل داخل المستشفيات الحكومية والجامعية. هذا التطوير لم يكن متساويًا في كل الأماكن، ولم يصل بعد إلى الصورة المثالية، لكنه انعكس على تفاصيل يومية بدأت تُحدث فرقًا في تجربة العلاج.

واحدة من النقاط التي كثيرًا ما يتم تجاهلها في النقاش العام هي أن جودة الرعاية الصحية في مصر لا تقتصر على القطاع الخاص. عدد كبير من كبار الأطباء الذين يديرون عيادات خاصة معروفة، هم أنفسهم من يقودون أقسامًا طبية داخل المستشفيات الحكومية والجامعية، ويواصلون العمل بها بدافع مهني ووطني. هذا التداخل بين القطاعين العام والخاص أسهم في نقل الخبرات، ورفع كفاءة الأداء داخل المؤسسات الحكومية، وأكد أن الطبيب المصري هو العنصر الحاسم في أي تجربة علاج ناجحة، بغضّ النظر عن مكان تقديم الخدمة.

المستشفيات الحكومية، التي طالما كانت محورًا للانتقاد، شهدت بدورها تطورات ملحوظة على مستوى التجهيزات، والتنظيم، وخدمات الطوارئ. ورغم الضغط الكبير الناتج عن الكثافة السكانية، فإن التجربة داخل عدد متزايد من هذه المستشفيات باتت تعكس تحسّنًا في الجاهزية وسرعة التعامل مع الحالات الحرجة، وهو ما لمسه مواطنون ووافدون من الخارج على حد سواء.

في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال دور التحول الرقمي في إعادة تنظيم العلاقة بين المريض والمنظومة الصحية. من التسجيل الإلكتروني إلى إدارة البيانات وربط الخدمات، بدأت ملامح نظام أكثر تنظيمًا وشفافية في الظهور، ما يفتح الباب لتحسينات أوسع وأكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.

ورغم كل ما سبق، لا يزال الحديث عن الرعاية الصحية في مصر بحاجة إلى قدر من الواقعية. التحديات لم تختفِ، والفجوات لا تزال موجودة، لكن الفارق اليوم يكمن في طريقة التعامل معها. الاعتراف بالمشكلات، والعمل على معالجتها تدريجيًا، بات جزءًا من الخطاب والممارسة، بدلًا من تجاهلها أو التقليل من شأنها.

ما تشهده المنظومة الصحية في مصر اليوم هو مرحلة انتقالية، تتداخل فيها الخبرة المحلية مع شهادات دولية، ويقف فيها الطبيب المصري في قلب المشهد باعتباره عنصر الثقة الأساسي. مرحلة تؤكد أن الرعاية الصحية في مصر لم تعد مجرد ملف خدمي تقليدي، بل مسار تطوير وطني مستمر، تُحكم عليه التجربة الفعلية، لا الانطباعات المسبقة.