مع تصاعد التوترات السياسية بالمنطقة واستخدام الممرات المائية مثل مضيق هرمز كورقة ضغط لتقييد الضربات العسكرية ضدها حيث تحول هذا الشريان الحيوي الي يمرر نحو 20% من إمدادات النفط العالمية لساحة للصراع، تتعرض فيه الناقلات للهجوم والإغراق حيث قامت إيران اليوم بضرب حوالي 9 سفن بحرية حاولت لمرور من المضيق مما أدي لإغراق اثنين منها في الحال مع وجود ما يفوق 150 سفينة أخرى بينها ناقلات محملة بالنفط الخام والغاز تستهلك كميات كبيرة من الوقود عالقة في المياه المفتوحة بالخليج.
مع تصاعد التوترات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية والتهديد بالقيام بمزيد من الضربات كخطوة تصعديه يبرز السؤال المتكرر عن تأثير كل هذه الأحداث على البيئة؟ ومن سيدفع كلفة الإصلاح البيئي؟ هل ستشارك فيه الدول العربية وخاصةً دول الخليج أم ستترك البيئة وحدها تدفع ثمن هذا التدهور؟
تاريخ استخدام البيئة كسلاح ضاغط أثناء أزمات الحروب حافل بالعديد من الحوادث التي أثرت لسنوات على قدرة البيئة على التعافي فضلاً عن التكلفة الاقتصادية التي تتحملها الدول مما يؤثر على اقتصاداتها المحلية فعلى سبيل المثال للتذكير وليس الحصر في سجل حوادث الإرهاب البيئي مثل حرائق آبار النفط الكويتية أثناء حرب الخليج من قبل الجيش العراقي في عام 1991 حيث قامت القوات بضرب وتفجير ما يقارب ال 700 بئر نفطي مما أدي لاشتعال النيران في العديد من الابار مسببة غيمة سوداء من السحب التي غطت سماء دولة الكويت والخليج حتى أن أثارها قد وصلت اليونان غرباً وحدود الصين شرقاً محملة بكثير من الغازات السامة كما قامت القوات العراقية بسكب النفط عمداً في مياه الخليج من الابار القريبة بما قدر بضخ حوالي 6000 برميل يومياً مما شكل عدد من البقع الزيتية الضخمة التي غطت مساحات كبيرة المياه بالإضافة لتغطية أجزاء كبيرة من التربة الساحلية بالنفط مشكلا بحيرات صغيرة ضحلة وقد تكبدت الكويت من اقتصادها المحلي حوال 3.3 مليار دولار لقيادة عمليات الإطفاء والتنظيف البيئي بمشاركة عدة فرق دوليه ولا تزال دول الخليج تعاني من عواقب هذه الحادثة التي صنفت انها اكبر هجوم إرهابي بيئي .
لم تختلف هجمات الحوثيين بالبحر الأحمر وأغلاق مضيق باب المندب واستهداف السفن الناقلات عن هذا النهج الكارثي الذي اتبعته الجماعة تجاه البيئة وتقويضها جهود الصيانة لخزان النفط العائم صافر الواقع داخل أحدى مناطق سيطرتها والتي كان يعد بمثابة قنبلة موقوته توشك على الانفجار في كل لحظة محدثة كارثة بيئية حيث كان يحمل ما يقارب 1.1 مليون برميل من النفط وقد أكل الصدأ هيكله مع تكرر الاستهدافات حيث تشير التقديرات أن مقدار التسرب النفطي الذي يمكن أن يحدثه قد يفوق أربع أضعاف الكمية المتسربة من ناقة النفط إيكسون فالديز ,وقد قدرت كلفة التعافي البيئي وحده طويل الأمد المحتمل حال حدوث أي تسرب بحوالي 20 مليار دولار.
أضافاً لمهاجمة وإغراق عشرات السفن في الخليج والتي تعد السفينة روبيمار أشهرها والتي تم استهدافها عام 2024 بخليج عدن بعدد من الصواريخ مخلفة بقعة زيتية ضخمة بطول 18 ميلاً وغرقها بعد عدة أيام مع ترقب احتمالية تسرب شحنتها حيث كانت تحمل أكثر من 21 ألف طن من سماد كبريتات الأمونيوم علاوة على كمية من الوقود اللازم لتشغيلها مهدده بأنشاء مناطق بحرية ميته بالكامل في البحر الأحمر وغيرها الكثير في حلقة مستمرة من غياب الوعي والضمير الإنساني.
تسرب النفط الناتج عن مثل هذه الهجمات على الناقلات لا يعتبر مجرد حادث عرضي، بل يمثل تهديداً حقيقياً للبيئة فكل هجمة من هذه الهجمات تؤدي لألحاق الأذى بالنظم البيئية المختلفة، فالأضرار البيئية الناتجة عن التسرب النفطي نتيجة هذه الأعمال تفتح أبواباً جديدة من المخاطر البيئية وتعرض مزيد من الموارد الطبيعية للخسارة.
والخطير في الامر أن أثار هذا التلوث قد يستمر لسنوات وسنوات مما يجعل عملية التعافي من الأضرار البيئية عملية طويلة وصعبة تخلف وراءها مياه ملوثة تحول لونها من الأزرق إلي الأسود حيث تسودها البقع النفطية تدمر تحت سطحها كثير من الموائل والشعاب المرجانية التي تمتاز بها سواحل دول المنطقة, بالإضافة لتضرر صحة الأفراد الذين يعيشون بالقرب من هذه السواحل والمستهلكين المحلين للأسماك البحرية نهيك عن تضرر كثير من الأنشطة البحرية الاقتصادية والخدمية والترفيهية واللوجستية مهدده الاقتصادات المحلية للدول لفترات تمتد بمدة التعافي البيئي من التلوث بل احياناً تفوق قدرة هذه الاقتصادات علد دفع الأضرار البيئية .
فالأمر هنا تجاوز فكرة الخسائر الاقتصادية أو الضغوط السياسية فالأثر البيئي الذي ستتواجه البيئة والذي يمكن لسنوات ستدفع ثمنه البيئة البحرية والمجتمعات المحلية ودول بأسرها، أن ما يحدث في مضيق هرمز ليس مجرد صراع إقليمي يؤثر على حركة التجارة الدولية ويعطلها ويكبدها خسائر فقط، بل هو أزمة بيئية جديدة تأتي في وقت تتضاعف فيه التحديات المناخية التي تواجه المنطقة مما يمكنه أن يضعف من الجهود المبذولة ويأخر الخطط الزمنية الموضوعة في مجال الإصلاح البيئي التي بدئت بعض الدول في تنفيذها بالفعل, فتكرار مثل هذه الحوادث يزيد من صعوبة تعافي البيئة وطول مدته مما يخلق دائرة مفرغة من التدهور لا نستطيع الخروج منها خاصةً في ظل صمت المجتمع الدولي عن كل ما يحدث بالمنطقة من انتهاكات مما يبرز معه عجز المجتمع الدولي عن فرض رقابة فعالة وغياب العقوبات الرادعة مما يترك المجال مفتوحاً لمزيد من الانتهاكات .