على مدار قرون طويلة، ظل بناء الأهرامات المصرية لغزًا محيرًا يشغل عقول المؤرخين وعلماء الآثار والمهندسين حول العالم. كيف استطاع المصريون القدماء تشييد هذه الصروح العملاقة بدقة مذهلة وارتفاعات شاهقة، في زمن لم تكن فيه الآلات الحديثة ولا التقنيات المتطورة؟
وبينما تعددت النظريات بين الاعتماد على القوة البشرية أو استخدام المنحدرات الحجرية، جاءت دراسة حديثة لفريق من الباحثين الفرنسيين لتعيد فتح الملف من جديد، وتطرح فرضية وُصفت بأنها “تفوق الخيال”.
آلية ذكية وراء البناء العظيم
بحسب ما نشرته صحيفة الكرونيستا، فإن الباحثين الفرنسيين يزعمون أن المصريين القدماء لم يعتمدوا بشكل أساسي على الأيدي العاملة في رفع الكتل الحجرية الضخمة، بل استخدموا آلية هندسية ذكية قائمة على استغلال قوة المياه.
هذه الفرضية، إن ثبتت صحتها، قد تغيّر فهمنا الكامل لطريقة بناء الأهرامات، وتمنح الحضارة المصرية القديمة مكانة علمية وتقنية غير مسبوقة في تاريخ البشرية.
سؤال بسيط.. وإجابة معقدة
السؤال الذي حيّر العلماء لسنوات كان يبدو بسيطًا في ظاهره.. كيف أمكن نقل ورفع أحجار تزن عدة أطنان بهذه الدقة المتناهية؟ الباحثون الفرنسيون يرون أن الإجابة تكمن في نظام هيدروليكي متقدم، طوّره مهندسو مصر القديمة، مستفيدين من المياه والرواسب الطبيعية المحيطة بمواقع البناء.
هرم زوسر.. شاهد على عبقرية مفقودة
الدراسة التي نُشرت في مجلة PLOS ONE العلمية أشارت إلى أن هرم زوسر المدرج في سقارة ربما كان النموذج الأوضح لتطبيق هذه التقنية. ووفقًا للباحثين، فقد تم تشييده باستخدام آلية رفع تعتمد على إدارة المياه داخل خندق داخلي، ما يسمح بدفع الكتل الحجرية من مركز الهرم إلى المستويات الأعلى دون الحاجة إلى جرّها عبر منحدرات طويلة وشاقة.
نظام هيدروليكي يشبه “البركان المقلوب”
وصف الخبراء هذا النظام الثوري بأنه يعمل كـ“بركان مقلوب”، حيث تُستغل قوة ضغط المياه لرفع كتل حجرية يصل وزنها إلى نحو 5 أطنان، دون تدخل بشري مباشر. هذا التصور، إن تأكد علميًا، يلغي الحاجة إلى آلاف العمال، ويؤكد أن المصريين القدماء كانوا سادة في توظيف الطبيعة لخدمة العمارة والهندسة.
عبقرية تسبق عصرها بآلاف السنين
وأكد الباحثون أن إثبات هذه النظرية سيجعلها أول مثال معروف للهندسة المستدامة في التاريخ، إذ تمكن المصريون القدماء من التحكم في مبادئ هندسية نعتبرها حديثة اليوم، وذلك قبل نحو 4650 عامًا.
ورغم أن هذه الفرضية لا تزال محل نقاش وبحاجة إلى المزيد من الأدلة، فإنها تسلط الضوء مجددًا على عبقرية الحضارة المصرية القديمة، التي لا تزال تبهر العالم وتكشف عن أسرارها تباعًا. وبين الشك والإعجاب، يبقى سؤال الأهرامات مفتوحًا، ومعه يزداد يقيننا بأن ما نعرفه عن الماضي قد يكون مجرد جزء صغير من الحقيقة الكبرى.