قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب: ألم يحن الوقت لقانون عربي مشترك لحماية بيانات المستخدمين؟

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

لم تعد مسألة حماية بيانات المستخدمين وخصوصيتهم ترفاً قانونياً أو نقاشاً تقنياً يهم المختصين وحدهم، بل أصبحت إحدى القضايا المركزية التي تمس كرامة الإنسان العربي، وأمنه الشخصي، وسيادة دوله في العصر الرقمي. ففي ظل الاعتماد المتزايد على التطبيقات الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والألعاب الرقمية، والخدمات السحابية، تحوّل المواطن العربي إلى منتِج دائم للبيانات، دون أن يمتلك في الغالب أي سيطرة حقيقية على مصيرها أو كيفية استخدامها.
إن أخطر ما في المشهد الرقمي العربي الحالي ليس فقط حجم البيانات التي تُجمع، بل غياب الإطار القانوني العربي المشترك الذي يوفّر حداً أدنى من الحماية المتوازنة والعادلة للمستخدمين، ويمنحهم حقوقاً واضحة، ويضع التزامات صارمة على الشركات والمنصات، سواء كانت محلية أو عابرة للحدود.
الفضاء الرقمي لا يعترف بالحدود السياسية، بينما لا تزال القوانين العربية حبيسة الجغرافيا الوطنية. فبيانات المستخدم العربي قد تُجمع في دولة، وتُحلَّل في أخرى، وتُخزَّن في خوادم خارج الإقليم العربي بالكامل. في المقابل، تختلف التشريعات العربية وتتفاوت كثيراً؛ فبعض الدول قطعت شوطاً في سن قوانين لحماية البيانات، بينما لا تزال دول أخرى تفتقر إلى أي تشريع واضح، أو تتعامل مع البيانات بمنطق أمني بحت لا يعترف بالخصوصية كحق أصيل.
هذا التفاوت لا يضر بالمستخدم فقط، بل يضعف الموقف العربي الجماعي أمام شركات التكنولوجيا العالمية، التي تتعامل مع المنطقة كسوق واحدة، لكنها تخضعها لقواعد متباينة، وغالباً أدنى من المعايير المطبقة في أوروبا أو غيرها.
أحد الاعتراضات الضمنية التي تطفو على السطح عند الحديث عن قوانين صارمة لحماية الخصوصية هو الادعاء بأن هذه المفاهيم غربية ولا تنسجم مع السياق العربي. وهذا تصور مضلل. فالخصوصية، في جوهرها، ليست سوى امتداد لفكرة الكرامة الإنسانية، وصون الحياة الخاصة، وهي قيم متجذرة في الثقافة العربية والإسلامية، قبل أن تُصاغ في قوالب قانونية حديثة. الفرق أن المجتمعات التي سبقتنا رقمياً أدركت مبكراً خطورة تحويل الإنسان إلى مجرد بيانات، فسارعت إلى بناء أطر قانونية تحميه. أما في العالم العربي، فقد دخلنا العصر الرقمي بسرعة تفوق قدرتنا على التنظيم والتشريع، فكان المستخدم هو الحلقة الأضعف.
إن الدعوة إلى قانون عربي مشترك لحماية البيانات لا تعني إلغاء السيادات الوطنية أو فرض نموذج واحد جامد، بل تهدف إلى بناء مرجعية عربية موحّدة تقوم على الحد الأدنى من الحقوق والمبادئ، من بينها:
•    حق المستخدم في معرفة ما يُجمع عنه من بيانات.
•    حقه في الموافقة الصريحة والمستنيرة.
•    حقه في الاعتراض والحذف.
•    التزام الجهات المالكة للبيانات بالشفافية والأمن والمساءلة.
وجود مثل هذا الإطار سيحقق عدة مكاسب:
1.    تعزيز ثقة المستخدم العربي في البيئة الرقمية.
2.    تقوية الموقف التفاوضي العربي أمام المنصات العالمية.
3.    تقليل الانتهاكات العابرة للحدود.
4.    تهيئة بيئة قانونية مستقرة للاستثمار الرقمي العربي.
لا يمكن إنكار أن العقبة الأكبر أمام قانون عربي موحد هي سياسية بالدرجة الأولى، وليست تقنية أو قانونية. فالهواجس الأمنية، وتباين النظم السياسية، وضعف المؤسسات الإقليمية، كلها عوامل تعرقل الوصول إلى تشريع ملزم.
لكن الواقعية السياسية ربما تفرض مساراً تدريجياً:
•    البدء بـ ميثاق عربي استرشادي لحماية البيانات.
•    مواءمة التشريعات الوطنية بدل توحيدها قسراً.
•    إنشاء هيئة عربية استشارية مستقلة للبيانات، تُقيّم وتُصدر تقارير علنية.
فالضغط المعنوي والمعرفي، حين يُبنى على وعي مجتمعي، قد يكون أكثر فاعلية من النصوص الجامدة.
لن يولد أي قانون فعّال من فراغ. المطلوب اليوم هو أن تتحول الخصوصية إلى قضية مجتمعية حيوية، لا ملفاً نخبوياً مغلقاً. على الأكاديميين، والإعلاميين، وصنّاع المحتوى، ومؤسسات المجتمع المدني، أن يعيدوا صياغة الخطاب حول البيانات، بوصفها مسألة تمس مستقبل الإنسان العربي، لا مجرد إعدادات في هاتف ذكي.
إن غياب قانون عربي مشترك لحماية بيانات المستخدمين لا يعني الحياد، بل يعني ترك المواطن العربي مكشوفاً في عالم رقمي لا يرحم. الخصوصية ليست عائقاً أمام التطور، بل شرطاً أخلاقياً له. وإذا لم يُبنَ المستقبل الرقمي العربي على أساس قانوني يحمي الإنسان قبل التقنية، فإننا نخاطر بأن نكون مجرد مستخدمين في عالم لا نملك فيه حتى بياناتنا.
إن تبنّي قانون عربي مشترك لحماية البيانات لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة حضارية تفرضها كرامة الإنسان، ومنطق السيادة، ومتطلبات العصر.