تشهد المدن الكبرى في مصر وعلى رأسها القاهرة والإسكندرية ضغطًا سكانيًا غير مسبوق نتيجة النزوح الداخلي المستمر من الريف والمدن الصغيرة.
يتدفق المواطنون بحثًا عن فرص عمل أفضل وتعليم متطور وخدمات صحية سهل الوصول إليها، لكن هذه التحركات البشرية رغم دوافعها المشروعة تضع المدن الكبرى تحت عبء هائل يؤثر على كل جانب من جوانب الحياة اليومية.
فالمواصلات والمرافق العامة تكاد تكون مكتظة بشكل دائم في حين يزداد الطلب على الكهرباء والمياه والصرف الصحي بشكل يفوق قدرة البنية التحتية الحالية مما يؤدي إلى اختناقات مستمرة وشكاوى متكررة من المواطنين.
كما أن التوسع العشوائي للمناطق السكنية غير المخططة يزداد بشكل ملحوظ، وتبرز العشوائيات كرمز للضغط السكاني والتحديات العمرانية، بينما يواجه السكان الأصليون والمهاجرون تحديات اجتماعية مشتركة من ارتفاع البطالة إلى التنافس على الموارد الأساسية مما يخلق أحيانًا توترات مجتمعية ملحوظة اقتصاديا.
و يقدم النزوح قوة عاملة ضخمة للقطاعات المختلفة ويحفز الأسواق المحلية بزيادة الطلب على السلع والخدمات، لكنه في الوقت نفسه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وزيادة التكاليف المعيشية مما يضع الأسر محدودة الدخل تحت ضغوط إضافية.
وعلى المدى الطويل، تصبح الحاجة ملحة لوضع خطط حضرية واستراتيجية شاملة تشمل تطوير المحافظات الأقل تطورًا وتحسين فرص التعليم والعمل فيها لتقليل الفجوة مع المدن الكبرى مع بناء وحدات سكنية ومرافق عامة قادرة على استيعاب النمو السكاني دون الإضرار بجودة الحياة.
حيث يزداد العبء على المواصلات العامة في المدن الكبرى نتيجة النزوح الداخلي، فتتحوّل ساعات الذروة إلى معارك يومية من أجل الوصول إلى العمل والمدارس مما يؤثر بشكل مباشر على إنتاجية الأفراد ويزيد من مستويات التوتر والإجهاد النفسي.
هذا الضغط يتطلب استراتيجيات فورية لتطوير شبكة النقل العام وتحديثها لتستوعب النمو السكاني المتسارع مع التفكير في حلول ذكية للتنقل مثل الحافلات الكهربائية والتطبيقات الرقمية لإدارة الحركة المرورية.
كما أن السوق العقاري يشهد تحولات جذرية بسبب النزوح الداخلي، إذ ترتفع أسعار الإيجارات بشكل كبير نتيجة الطلب المتزايد على السكن مما يجعل الحصول على مسكن لائق خارج إمكانيات الفئات المتوسطة والأقل من متوسطة.
هذه الظاهرة تؤدي إلى تفاقم العشوائيات حيث يضطر البعض للسكن في مناطق غير آمنة أو غير مخططة مما يرفع معدلات المخاطر الصحية والإجتماعية ويزيد من الحاجة إلى خطط إسكان حضري مستدامة تستوعب النمو السكاني.
أما على صعيد الخدمات العامة يبرز التحدي في توزيع المياه والكهرباء بشكل متوازن، فمع تزايد السكان يزداد استهلاك الموارد الطبيعية بشكل أسرع من القدرة على توفيرها مما يهدد الأمن المائي والطاقة ويستدعي حلولاً مبتكرة مثل مشاريع التحلية للطاقة الشمسية وإعادة استخدام المياه الرمادية في الزراعة والصناعة.
وبالنسبة للجانب النفسي والإجتماعي للنزوح الداخلي فهو لا يقل أهمية، إذ يواجه القادمون من الريف أو المحافظات الأقل تطورًا صعوبات في التأقلم مع نمط الحياة في المدن الكبرى من اختلاف الثقافة والقيم الإجتماعية إلى المنافسة الإقتصادية القاسية مما يزيد من معدلات التوتر الإجتماعي ويستدعي تدخل مؤسسات المجتمع المدني لتقديم الدعم النفسي والإجتماعي للمهاجرين الجدد.
كما يظهر تأثير النزوح في ارتفاع الطلب على الخدمات الترفيهية والثقافية، وهو جانب غالبًا ما يُغفل مما يخلق فجوة بين توقعات السكان وواقع ما تقدمه المدن الكبرى، ويؤكد الحاجة إلى تنمية متوازنة تشمل تحسين جودة الحياة والترفيه والتعليم الفني والثقافي لضمان اندماج المهاجرين والمجتمع الأصلي في إطار اجتماعي مستقر ومتنوع.
فالنزوح الداخلي ظاهرة طبيعية تعكس طموح الأفراد، لكنها تتحول إلى أزمة إذا غاب التخطيط الإستراتيجي ، وما لم تتخذ الدولة خطوات عملية عاجلة لتوزيع الموارد وفرص التنمية بشكل أكثر عدالة ستظل المدن الكبرى تواجه تحديات مستمرة تؤثر على استقرار المجتمع ومستقبل التنمية في مصر.
ويبقى الواقع أن إدارة النزوح الداخلي ليست مجرد تحدٍ عمراني أو اقتصادي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على التخطيط العادل وتوفير الفرص وبناء مستقبل مستدام يضمن لكل مصري حقه في حياة كريمة داخل وطنه.